الخميس، 5 مارس 2026

(وما ذنب البخاري؟)




تحدثت في مقال أو مقالين سابقين عن أسباب النصر، وبينت أن النصر يعتمد :

إما على الأسباب العادية والاستعداد الذي تنتهجه سائر الأمم، من التقدم العلمي والتسلح الحديث والاتحاد والأحلاف .. فمن كان أجود استعدادا وتخطيطا كان أولى بالنصر، ومن لم يكن كذلك خسر.

وإما على النصرة الربانية، وهذه وإن كان انتظارها قد يطول، فإنها تستوجب أيضا ما وسع المسلم من الاستعدادات العادية، وتتطلب فوق ذلك الاستسلام التام لأحكام الله تعالى بأداء ما فرضه الله تعالى وترك ما نهى عنه.

ولما كان المسلمون في العصر الأخير قد فرطوا في الاستعداد بنوعيه توالت عليهم الهزائم، وباتوا في ذلة وخزي ومهانة، فلا هم سلكوا طريق الأمم المتقدمة، ولا طريق طاعة الله ليستحقوا النصر منه.

وعندما لا ينتبه بعض المسلمين إلى إهمالهم هذين الشرطين للنصر فإنهم يخطؤون خطأ أكبر من هذا الإهمال عندما يسمحون بتسلل الشك والريب إلى أنفسهم في ثوابتهم ومناهجهم الدينية.

ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما جرى للخديوي – أو الخديو - إسماعيل حاكم مصر قبل أكثر من 140 سنة هجرية، والذي أراد أن يجعل من مصر نسخة من أوروبا في كل شيء، فسمح بوجود جمعيات التنصير، وسمح بالمحاكم المختلطة التي تنص قوانينها على إباحة الزنا والخمر والربا والقمار ... ومع هذا دخل في حرب مع الحبشة منتظرا النصرة من الله تعالى بزعمه!

قال العلامة محمد بن سليمان رئيس المحكمة العليا الشرعية في مصر في كتابه "من أخلاق العلماء" ص75 وما بين المعقوفين فمني توضيحا:

(حدثني صديقي الكريم محمد فهمي الناضوري باشا عن أحمد أفندي بدوي عن أبيه عن جده – وكان من الشيوخ بالأزهر في عهد الخديو إسماعيل – قال:

لما وقعت الحرب بين مصر والحبشة وتوالت الهزائم على مصر لوقوع الخلاف بين قواد جيوشها ضاق صدر الخديو لذلك، فركب يوما مع شريف باشا وهو محرج فأراد أن يفرج عن نفسه فقال [الخديوي] لشريف باشا:

ماذا تصنع حينما تلم بك ملمة تريد أن تدفعها؟

فقال [شريف باشا]: يا أفندينا إن الله عودني إذا حاق بي شيء من هذا أن ألجأ إلى صحيح البخاري يقرؤه لي علماء أطهار الأنفاس فيفرج الله عني.

قال [الراوي]: فكلم [الخديوي] شيخ الجامع الأزهر – وكان الشيخ العروسي – فجمع له من صلحاء العلماء جمعا أخذوا يتلون في البخاري أمام القبلة القديمة في الأزهر، قال ومع ذلك ظلت أخبار الهزائم تتوالى، فذهب الخديو ومعه شريف باشا إلى العلماء وقال لهم محنقا:

إما أن هذا الذي تقرؤونه ليس صحيح البخاري، أو أنكم لستم العلماء الذين نعهدهم من رجال السلف الصالح، فإن الله لم يدفع بكم ولا بتلاوتكم شيئا. فوجم العلماء لذلك.

وابتدره شيخ من آخر الصف يقول له: مِنْك يا إسماعيل، فإنا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم" أو كما قال.

فزاد وجوم المشايخ، وانصرف الخديو ومعه شريف باشا ولم ينبسا بكلمة.

وأخذ العلماء يلومون القائل ويؤنبونه، فبينما هم كذلك إذا بشريف باشا قد عاد يسأل: أين الشيخ القائل للخديو ما قال ؟ فقال: أنا. فأخذه وقام، وانقلب العلماء بعد أن كانوا يلومون الشيخ يودعونه وداع من لا يأملون أن يرجع.

وسار شريف باشا بالشيخ إلى أن دخلا على الخديو في قصره، فإذا به قاعد في البهو وأمامه كرسي أجلس عليه الشيخ، وقال: أعد يا أستاذ ما قلته لي في الأزهر. فأعاد الشيخ كلمته، وردد الحديث وشرحه.

فقال له الخديو: وماذا صنعنا حتى ينزل بنا هذا البلاء؟

قال له [الشيخ]: يا أفندينا أليست المحاكم المختلطة قد فتحت بقانون يبيح الربا؟ أليس الزنا برخصة؟ أليس الخمر مباحا؟ أليس أليس - وعدد له منكرات تجري بلا إنكار – وقال: كيف تنتظر النصر من السماء؟

فقال الخديو: وماذا نصنع وقد عاشرنا الأجانب وهذه مدنيتهم؟

قال [الشيخ] إذن فما ذنب البخاري؟ وما حيلة العلماء؟

ففكر الخديو مليا وأطرق طويلا ثم قال له صدقت صدقت، وأمر فرتبت له في الرزنامجة ثلاثون جنيها. وعاد الشيخ بعد هذا إلى الأزهر وإخوانه قد يئسوا منه فكأنما قد ولد جديدا) انتهى النقل.

فهذا الخديوي جهل أو تجاهل – مستهبلا - جرائمه في حق الإسلام والمسلمين ثم خاض حربا يرجو النصر فيها، فلما لم ينتصر حاول الجاهل أن يلقي باللائمة على صحيح البخاري أو العلماء الذين يتلونه !!

ثم إنه لم يتعظ مما قاله له هذا الشيخ ولا غيره، ولم تكن المكافأة التي رصدها للشيخ الأزهري إلا رشوة يشتري بها لهجته الصادقة، بل زاد فساد إسماعيل وتعاظم فساد ابنه توفيق من بعده، حتى أفتى بعض العلماء بكفره وجواز الخروج عليه، وكان من نتائج ذلك قيام ثورة أحمد عرابي سنة 1299هـ والتي فشلت أيضا، وكان ذلك كله من أسباب التدخل الإنجليزي في مصر.

وزبدة القول أن النصرة لا تحصل للمسلمين إلا من الوجهين الذين شرحناهما أولا، ومن نظر في حالهم اليوم يقطع أن بينهم وبين النصرة بنوعيها بون شاسع.

هذا ونسأل الله تعالى أن يغفر لنا ضعفنا وقلة حيلتنا وأن يبرم لهذه الأمة أمرا رشدا يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويعمل فيه بشرعه، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.


(تنبيه):

الشيخ الأزهري المذكور في القصة في مصدرها الأصل لم يسم كما رأيتَ، وقد انتشرت القصة على الشبكة الرقمية كثيرا على أن الشيخ الأزهري فيها هو الشيخ توفيق البتشتي ! - وهو صاحب الصورة المرفقة - وهو عالم جليل القدر، إلا أنه ليس صاحب القصة، لأن الحملة المصرية على الحبشة بدأت سنة 1284هـ في عهد الخديوي إسماعيل، وكانت أول المعارك بتاريخ 17 شوال سنة 1292هـ وآخرها في 12 صفر من سنة 1293هـ.

والشيخ توفيق محمد خليفة البتشتي – بفتح الباء والتاء وسكون الشين - نسبة إلى قرية "أبو تشت" من محافظة قنا في صعيد مصر ولد سنة 1294هـ - بعد حرب مصر والحبشة - والتحق بالأزهر سنة 1308هـ فمحال أن يكون هو صاحب هذه القصة. 

نعم لعل الشيخ توفيقا كان يحكي هذه القصة كثيرا لطلابه في معهد أسيوط الأزهري ومعهد قنا الأزهري فتوهم بعضهم بعد ذلك أنه صاحب القصة، وليس كذلك.

وقد كان شيخنا العلامة محمد زكي الدين إبراهيم الحسيني الشاذلي رائد العشيرة المحمدية في مصر يحكي هذه القصة عن جده لأمه الشيخ محمود أبو عليان، وفي ترجمة الشيخ أبي عليان من جمهرة أعلام الأزهر مصداق ذلك.

وهو الشيخ العالم الصالح  محمود بن عَلْيَان بن زيد بن على بن نصار بن نصر الحسيني نسبا الصعيدي إقليما البصيلي الزوايدي قرية وأصلا ثم القاهري البولاقي إقامة المالكي مذهبا الشاذلي العفيفي مسلكا الأشعري عقيدة الأزهري تخرجا الشهير بـ أبي عَلْيان المولود سنة 1256هـ، والمتوفى سنة 1326هـ


خط الشيخ محمود أبو عليان


فهذا الشيخ هو صاحب القصة لا الشيخ البتشتي، والشيخ أبو عليان كان: 

ـ من تلاميذ العلامة الغيور الجسور الولي الصالح الشيخ محمد عليش الشاذلي قطب الأزهر ومفتي المالكية في عصره.

ـ ومن تلاميذ العلامة الصادع بالحق الشيخ حسن العِدْوي الحمزاوي المالكي الشاذلي ذي المواقف الشجاعة. 

فبهما اقتدى تلميذهما الشيخ محمود أبو عليان في صدق لهجته، وقد رد كل الألقاب والهبات التي حاول الخديوي إسماعيل استمالته بها.

رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأخلف أمثاله على المسلمين.

 

الأحد، 14 ديسمبر 2025

أسباب النصر في الخامس والعشرين من رمضان "عين جالوت"



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه ..

وبعد ..

تحدثنا من قبل عن نصر (الخامس والعشرون من رمضان 658هـ) ولم نتحدث عن أسباب النصر فيه، والنظر في أسباب النصر والهزيمة مهم جدا لأخذ العبر والاستفادة من الدروس.

حقا إن ينصركم الله فلا غالب لكم، لكن إنما ينصر الله من ينصره، ونصرة الله تعالى تكون بأداء ما فرضه وترك ما نهى عنه، وأما من حاربوا الله بالربا فقد قال لهم (فأذنوا بحرب من الله ورسوله) أو آذوا أولياء الله فقد قال لهم (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) والهزيمة والخذلان مصير كل من عطل شريعته،  ولم يتمعر وجهه لانتهاك محارم الله، ولا حرمة عنده لأولياء الله، فلا يستحق النصر والمدد من الله، لكنه موكول إلى قوانين النصر العادية، فمن أعد العدة جيدا انتصر، ومن لم يستعد هزم وخذل، هذه سنة الله.

في القرن السابع الهجري عندما انهال المغول التتار من الشرق فدمروا المدن الإسلامية كلها واحدة واحدة بكل وحشية ووصلوا إلى حدود بغداد حيث الخلافة العباسية كان السلطان الصالح إسماعيل في دمشق يتوقع ألا تصمد بغداد في وجوههم وأنهم عما قريب يغزون بلاد الشام، ولن تصمد أي قوة إسلامية أمامهم، ولما كان الصليبيون أعقل كثيرا من المغول وأهون شرا – في نظره – فقد رأى الصالح إسماعيل أن يصانعهم ويهادنهم ببعض التنازلات ليجرهم إلى صف المسلمين فيكون المسلمون والصليبيون يدا واحدة في مواجهة المغول، فسلمهم بعض المدن وفتح لهم باب التجارة الحرة في الشام (تطبيع علاقات كامل) في الوقت الذي كان الصليبيون يشكلون خطرا حقيقيا على مصر وقد احتلوا مناطق من شمال مصر، ونياتهم معقودة على اقتناص فرص الضعف الإسلامي لابتلاع المزيد والمزيد.

لكن أحد علماء الشام الشجعان وهو الإمام شيخ الإسلام عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي الشافعي الشهير بالعز ابن عبد السلام والملقب فيما بعد بـ (سلطان العلماء) لم يجد مسوغا شرعيا لتصرف السلطان الصالح إسماعيل لا سيما والصليبيون يفدون إلى الشام فيشترون المؤمن والسلاح ليقاتلوا بها المصريين ! فاخترق الشيخ الصمت وحاجز الخوف فأفتى بأن تمكين الصليبيين من ديار الشام باطل وأنهم حربيون لا يجوز إعطاؤهم الأمان بل يؤسرون متى دخلوا الشام، وطارت هذه الفتوى في بلاد الإسلام الأمر الذي أفرح أهل مصر لكنه أغضب الصالح إسماعيل، فدبر حيلة الحبس والتضييق على الشيخ ليتخلص من وجوده في الشام، فاضطر الشيخ إلى الخروج من الشام إلى مصر، وهناك استقبل استقبال الملوك، والمصريون لا يشعرون أن الله تعالى أعد امتحانا صعبا لهم على يد هذا الشيخ الشامي الجليل.

فشلت خطة الصالح إسماعيل واجتاح التتار بغداد فقتلوا الخليفة وأفنوا أهلها وأحرقوها، ثم ابتلعوا الشام كله ولم يغن الصليبيون شيئا، ولم يبق أمام التتار إلا الجيش المصري، وبالنظر إلى جميع المقومات والأحوال والظروف فالجيش المصري لا فرصة له في الفوز والظفر، ومصيره مصير سائر الأمم والجيوش التي كسرها التتار وقهرها.

عندما دخل العز ابن عبد السلام مصر، واستقبل استقبال الملوك، امتنع غير واحد من العلماء الكبار من الإفتاء – منهم الإمام المنذري صاحب الترغيب والترهيب – ورأوا أن الفتيا متعينة في هذا العالم الجليل الذي لا يخاف في الله لومة لائم، فتقلد العز ابن عبد السلام قضاء القضاء والإفتاء رسميا في أيام السلطان الملك الصالح: نجم الدين أيوب.

لقد كانت مصر كسائر بلاد الإسلام في ذلك التاريخ تحكم بالشريعة الإسلامية، يقوم بذلك المفتون والقضاة، إلا أن بعضا من تلك الأحكام الشرعية كانت تقف دون المساس بكبار القوم من الأمراء والسلاطين وحواشيهم فلا تجد طريقها إليهم – الأمر الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم - وبدخول العز ابن عبد السلام مصر اختلف الأمر وصار يبطل المحرمات المتعلقة بهذه الطبقة ويتتبعها واحدة واحدة، ويقدم علية القوم إلى المحاكمة الشرعية دون أدنى تدخل من السلطان، إلى أن جاءت المحنتان :

أما الأولى : فإن كثيرا من أمراء الجند في مصر كانوا مماليك، اشتراهم السلطان من بيت مال المسلمين ثم رباهم ودربهم حتى صاروا فرسانا أشداء ثم أعطاهم المناصب العليا في الجيش، فملكوا الضياع والأموال والأنعام وسكنوا القصور، وصارت لهم تجارة وجاه يتصرفون تصرف الأحرار.

والأصل في الشريعة الإسلامية أن المملوك غير نافذ التصرفات وأن أمره إلى سيده ومولاه، وسيده ومولاه في هذه الحالة المصرية هم الشعب المصري الذي اشتري المماليك من أمواله.

وهنا قرر شيخ الإسلام إبطال جميع تصرفاتهم من عقود بيع أو شراء أو إيجار أو نكاح ونحو ذلك – وهم من هم إمرة وشهرة ومكانة - حتى تعطلت مصالحهم وضجوا بالشكوى عند السلطان الذي رفض التدخل لتغيير الأحكام الشرعية، ولكنه سعى إلى شيخ الإسلام للنظر في حل شرعي لهذه المعضلة، وشيخ الإسلام أعطاه حلا واحدا أمرُّ من العلقم.

هذا الحل أن يباع هؤلاء المماليك في السوق علنا وتوضع أثمانهم في بيت مال المسلمين ثم الخيار لمن اشتراهم في إعتاقهم لتصح تصرفاتهم !!! وا عجبا ! أمراء وقادة جند يباعون في السوق؟! هل يقبل عامة الناس هذا فضلا عن أمراء وقادة كبار ! لقد وضعهم العز ابن عبد السلام أمام نار تلفح وجوههم، وقد أدرك قادة الجند أن لا مناص لهم من تجرع مرارة الذل خضوعا لأحكام الشريعة الإسلامية، نعم حاول بعضهم التمرد ولكنهم لما واجهوا شيخ الإسلام خارت قواهم وضعفوا وتحولوا إلى حملان وديعة تستفتي الشيخ ..

وهكذا عقد المزاد العلني في السوق وحضره الناس ونودي بالأمراء واحدا واحدا وتنافس التجار فيهم فإذا عجزوا عن الزيادة زاد وكيل السلطان نجم الدين أيوب في الثمن فاشترى الأمير وأودع ثمنه لدى شيخ الإسلام لبيت المال، ثم يعتق الأمير !! هل سمع الناس بذلة لله وشرعه كهذه من قبل؟!

أما المحنة الثانية : فعندما جد الأمر وهدد التتار مصر وأمروها بالاستسلام وإلا الخراب، وبدا أن لا مناص من الحرب، فهنا أمر شيخ الإسلام السلطان والجند بالاستعداد لملاقاة التتار، وبدأ تجهيز الجيش، فأمر السلطان سيف الدين قطز بجمع المال من العامة لتجهيز الجيش، فأفتى سلطان العلماء بأن ذلك لا يحل للسلطان والأمراء حتى يخرج السلطان وأمراؤه ما في قصورهم من الأثاث والأموال والدواب والحلي والزينة فإن لم تف فحينئذ يمكن النظر في أموال العامة، فانصاع السلطان وأمراؤه للأمر وأخرجوا ما في قصورهم طائعين هم ونساؤهم فاجتمع شيء عظيم كفى لتجهيز الجيش وزاد ولم يؤخذ شيء من العامة.

لقد كان عامة الناس في مصر وخاصتهم من العلماء على استعداد إيماني قبل دخول سلطان العلماء العز ابن عبد السلام إلى مصر، وذلك بفضل شيوخ صالحين من أولياء الله تربى على أيديهم أهل مصر، وعلى رأسهم الإمام العارف بالله أبو الحسن الشاذلي، فالعامة مفروغ من خضوعهم لله.

لكن هذين الامتحانين العظيمين لم يكونا موجهين لعامة الناس، بل كانا لخاصتهم من السلطان وأمرائه وحاشيته، وقد أجراهما الله على يد الشيخ العز ابن عبد السلام الدمشقي خاصة، ولا يمكن تحقق الصلاح ولا الخضوع التام لله تعالى إلا باستسلام هذه الطبقة المترفة لله، قال تعالى ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا أي أمرناهم بالطاعة ففسقوا، وفسق هذه الطبقة وحدها كاف في حلول البلاء.

لقد تعرض كثير من الكتاب والمؤرخين لهذه الحادثة مظهرين بذلك كل الإعجاب والتقدير لشخصية الإمام عز الدين ابن عبد السلام - وحق له ذلك - والذي لقب على أثرها بسلطان العلماء، ولكني هنا أتعرض لهذه الحادثة مظهرا الإعجاب والتقدير بسلطان مصر وأمرائه الذين خضعوا لله تعالى وأذلوا رقابهم ووجوههم له.

لقد نجح السلطان وأمراؤه في الامتحانين معا فهبت رياح النصر الرباني من حيث لا يحتسبون وتحقق الظفر العظيم على أخبث جيش عرفه التاريخ، لم يكن النصر متوقعا ولكنه حدث، وقد جرت فيه من الكرامات الربانية ما لا يخطر على بال، فلم يكن النصر بانكسار التتار في عين جالوت فحسب، بل إن الله تعالى سلط بعضهم على بعض، وألقى في قلوب كثير منهم الرعب من المسلمين ثم هيأ قلوبهم للإسلام فدخلوا فيه أفواجا حتى كانوا من حماة الإسلام وناشريه في ربوع الأرض.

والناظر في حال المسلمين اليوم يتعجب من رحمة الله تعالى وستره ولطفه وحلمه، مع توفر جميع أسباب السخط ونزول البلاء من المعاصي والعبث بالشريعة وكثرة الفسق وانتشار الربا والتبرج وقلة الحياء وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. نسأل الله العفو والعافية وصلاح الحال.

 

 

الجمعة، 7 نوفمبر 2025

الخامس والعشرون من رمضان 658هـ

 




الحمد لله الذي كسر شوكة التتار الطغاة بالعساكر المصرية والشامية ذوي التمكين، وقطع رأس الكفر بسيفٍ حلبيٍّ أمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.  

وبعد ..

أيها الشاميون، قدمنا مقالة: هل كان العاشر من رمضان نصرا والآن أقول: إن كنتم في شك من العاشر من رمضان فأين أنتم من الخامس والعشرين منه من سنة 658هـ؟ أنسيتموه؟

أنسيتم كلمات المؤرخ ابن الأثير الموصلي الجزري المشهورة إذ يقول :

(ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة

ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام

لقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها كارهاً لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلاً وأؤخر أخرى فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين .. فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسيا، .. فلو قال قائل : إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها... ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة، إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج، وأمـا الدجال، فإنه يبقي على من اتبعه ويهلك من خالفه وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لهذه الحادثة التي استطار شررها، وعم ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح..)اهـ إلخ

وهذا النعي الأليم قاله ابن الأثير الجزري قبل وصول التتار إلى بغداد عاصمة الخلافة، وفعلهم بها الأفاعيل، وقتل الخليفة العباسي، وتدمير البلاد كلها، ثم أخذوا العراق كله، وبلاد الشام كلها، إما بالحرب المدمرة، وإما بالاستسلام المخزي، وعبارات المؤرخين بعد ابن الأثير الجزري في وصف هذا الخطب العظيم الأليم مشهورة لا نطيل بنقلها.

ولم يبق أمامهم إلا مصر، فكتب الملعون هولاكو إلى مصر يأمرها بالاستسلام، فسخروا منه وتوعدوه، وقطعوا رؤوس رسله الملاعين وعلقوها، فأمر الملعون هولاكو جيشه بالتقدم بإمرة كتبغا (كيتو بوقا) وكان هذا تعتقده التتار مؤيدا بالأرواح والسحرة والآلهة، يُنصرون ويَفتحون البلاد به.

وتحرك الجيش المصري على رأسه السلطان المظفر قطز ومعه أمراء المماليك الشجعان، ومعهم من كان التحق بهم من أمراء وجنود عساكر الشام الذين أبوا الاستسلام، والتقوا بالتتار المشركين في عين جالوت في التاريخ المذكور - والتتار في عتوهم وغرورهم ويقينهم بالنصر، والمسلمون في قلوبهم ما فيها من هول ما سمعوا من بأسهم - فأول الأمر هجم التتار فكسروا ميسرة المسلمين، فضرب الملك المظفر بخوذته الأرض وصاح "وا إسلاماه" فالتهبت القلوب، وباعوا أنفسهم لعلام الغيوب، فهجموا هجمة من كره الدنيا وأحب الآخرة، فإذا بجيوش التتار خاسرة منكسرة.

ووفق الله الأمير الشامي الحلبي جمال الدين آقوش الشمسي وأعانه في الرمي والضرب، فشق صدر جيش التتار إلى القلب، وأطار جملة من رؤوس من كفر وبغا، منها رأس الملعون كيتوبغا.

فلما رأى التتار ذلك بهتوا ودهشوا وتقهقروا، ولم يصدقوا ما عاينوا، فأعادوا جمعهم أعظم من الأول قرب بيسان، والتحم الجيشان، وزلزل المسلمون زلزالا عظيما، قال المؤرخ المقريزي :

(فصرخ السلطان صرخة عظيمة، سمعه معظم العسكر وهو يقول "وا إسلاماه" ثلاث مرات)

فكانت آية من آيات الله، فأخلص المسلمون وأيدهم الله بنصره، وأمدهم بجند من عنده، وربط على قلوبهم، وقذف الرعب في قلب عدوهم، فهُزم التتار وولوا هاربين، وتبعهم المسلمون يجتثونهم، حتى تحررت الشام كلها منهم وما يليها من العراق، ثم توالت الهزائم على التتار، والحمد لله رب العالمين.

أقول لو أن المسلمين هُزموا في هذه المعركة لذهب الإسلام، لأن من وراء مصر بلاد ممزقة، يقاتل بعضهم بعضا لا يقومون للتتار.

وأشبهت هذه المعركة معركة بدر التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إن تهلك هذه العصابةَ لا تُعبد في الأرض) فكذلك يوم عين جالوت لو هزم فيه المسلمون لذهب الإسلام.

أيها الشاميون، إن كنتم في ريب من العاشر من أكتوبر فأي حجة لكم في يوم عين جالوت؟ إنه والله ليوم عظيم، أعظم من يوم سيناء، فالعدو يوم سيناء بعوضة أو ذبابة والإسلام عزيز، إذا ما قورن بالعدو يوم عين جالوت والمسلمون أذلاء.

وهو يومٌ نصر الله فيه الإسلام بسواعدكم أنتم والمصريين خاصة، وقد كان لكم فضل عظيم في هذا النصر لا يتسع الوقت لذكره هنا، لعلي أذكره فيما بعد.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025

هل كان العاشر من رمضان نصرا ؟



الحمد لله المعز المذل، الخافض الرافع، والصلاة والسلام على نجم التوحيد اللامع الساطع، الساجد الراكع، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وكل من هو بإحسان مقتف وتابع.

وبعد ..

فرط مني فيما مضى مقال أسميته "شيخ النصر في العاشر من رمضان" (السادس من أكتوبر) ضمنته بشارة الرجل الصالح الشيخ أحمد حجاب للرئيس محمد أنور السادات، ورؤياه رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرهم بالنصر، والتي سمعها منه شيخ الأزهر عبد الحليم محمود فحكاها على منبر الأزهر الشريف، رحمهم الله جميعا.

لم أكن أنوي أن أكتب عن هذه الذكرى كلما تجددت، مع أنها من أيام الله، والله تعالى يقول (وذكرهم بأيام الله) فهي من أيام الله للمؤمنين نصرا، ومن أيام الله على المعتدين هزيمة ودحرا، ولو لم يكن من مكاسبها غير تحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر ولا يتقهقر لكفى بذلك نصرا.

إلا أن الشام التي كانت تشاطر مصر الاحتفاء بهذه الذكرى دهرا طويلا ألغى إخواننا في حكومتها الانتقالية الحديثة الاحتفاء بها هذا العام.

علل أهل السياسة منهم ذلك أن "مصر استرجعت سيناء، ولكن سوريا خسرت الجولان" يريد أنه لم يكن نصرا يستحق الاحتفاء، إنما هو نصر هناك، وهزيمة هنا، وهذا لا يستحق - في رأيهم - الاحتفاء إلى حد الإجازة الرسمية، وفسر هذا المتكلم اهتمام النظام السابق بهذه المناسبة بأنه متاجرة ببطولات وهمية.

صحيح أن الحكم على المكاسب والخسائر في الحروب يختلف باختلاف الموازين التي تستعمل، فالميزان السياسي له حكم يختلف عن الميزان الاقتصادي، وهما قد يختلفان مع موازين أخرى .. ولهذا اختلف الناس في وزن "طوفان الأقصى" ما بين محتف به ومستاء من نتائجه، وهي رؤى اجتهادية لا تفسد عدالة القضية، ولا تنفي الحق، ومن حق إخواننا في بلاد الشام المباركة أن يزنوا الأمر بما يرونه مناسبا لهم.

لكن من حقهم علينا أيضا أن نلفتهم إلى رأي آخر له ثقله يتساءل عن هذا المنظار ذي العدسات المادية بأي لون ستبدو منه "الثورة السورية" نفسها ؟ أليس أوار خسائرها المادية والبشرية لا زال يبرِّح بالصدور ولا يكاد يَبْرحها ؟

أخشى - ولا أقطع - أن كثيرا من معاركنا التاريخية المجيدة لن تُرى أكاليلها الزاهية بهذا المنظار. 

حتى إن غزوة بدر الكبرى التي خرج المسلمون فيها قاصدين قافلة قريش لاسترجاع أموالهم التي سلبها المشركون لم يتحقق فيها مقصدهم وهدفهم، قال تعالى: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين) صدق الله العظيم.

غير ذات الشوكة التي كان المسلمون يطلبونها هي القافلة، وقد فرت القافلة ولم يظفر المسلمون بها، ووقعت المعركة، وانجلت عن خسائر في الأنفس والأموال. 

كذلك، لكن ما ربحه المسلمون كان أكبر: نصر عسكري وسياسي ما كان يدور بخلدهم.

إن اشترطنا أن تتحقق كل المكاسب على أكف جميع الموازين ليحق لنا الاحتفاء بالنصر، فلن نجد أي نصر من هذا النوع في طول التاريخ وعرضه.

إن الاحتفال بمثل هذه المناسبات مستحب لما فيه من التذكير بأيام الله، وليس بواجب، واستحبابه مشروط بالقيود الشرعية وإلا لم يكن مستحبا.

وقد كنت أود أن أقترح على إخواننا الشوام - إذا تشبثوا برأيهم هذا - كنت أود اقتراح يوم آخر من أيام الله يحتفون به، ربح فيه المصريون والشاميون معا، وكان لكليهما في صناعته نصيب عظيم، ويطيب له خاطر مصر، كنت أود هذا.  

ولكن قبل أن تكلَّ ألسنة الإعلام العربي والإسلامي وحناجره من الحديث عن السادس من أكتوبر، وقبل أن تبرد حرارته وينطفئ جمره إذا بإخواننا في الحكومة الانتقالية الشامية يتحدثون بحديث مفاضلين فيه بين بعض الدول العربية في موضوع "التطور" مؤخرين مصر عما تستحقه من التقديم والتبجيل.  

الآن حصحص الحق، إنها واحدة بواحدة إذن ! فالعاشر من رمضان يذكر ويشكر، أو ينسى ويُكفر بما يكون عليه التطور من البرودة أو الحرارة.


أَوْرَدَها سعدٌ وسعدٌ مشتمل * ما هكذا يا سعد تُورَدُ الإبل


يا إخواننا الشاميين إنها مصر ! أتدرون ما مصر؟! تالله مهما كان من مصر مما لم يطربكم فما كان لكم – أيها الشاميون - خاصة أن تحزنوا مصر وتكدروا خاطرها، ولأنتم أولى الناس بالاستيصاء بمصر خيرا.

أتذكرون ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه الذي فدا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه مستقبلا سهام الموت المسددة إلى صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لم يمت طلحة ولكن شلت يده إلى الأبد، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عنه : (من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله) فكذلك من سره أن ينظر إلى بلد شهيد لا يزال حيا فهي مصر.

أتذكرون ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في عثمان بن عفان الذي بدد ثروته في سبيل الله حتى جهز جيش العسرة بماله ؟ قال: (ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم) قالها مرارا، فكذلك مصر لا جناح عليها في بعض هناتها فقد قدمت ما لا يمكن وصفه ولا حصره.

بل قولوا ماذا قدم غير مصر لمصر إذا قورن بما قدمته مصر؟

قد ألهاني هذا الحديث الأخير عن "التطور" عن ذكر اليوم الذي وددت اقتراحه على إخواننا الشاميين حتى طال الكلام، فليكن له مقال آخر غير هذا.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

(يتبع قريبا)

 

 

 

السبت، 23 أغسطس 2025

سورة عمر !!

 




عاد التلميذات إلى البيت مستبشرات بما وعدتهن به معلمتهن أنها ستقرأ معهن في الدرس القادم (سورة عمر) ! وانتشر الخبر عن هذه السورة الجديدة في تاريخ الإسلام !!

وجاء وقت الدرس الموعود ليحضره بعض الأساتذة بنية تصحيح هذا اللحن البشع :

·    إنها يا أستاذة ليست سورة عمر وإنما هي (سورة عم) !

·    لكنها موجودة في المصحف ! فما هذه الراء التي بعد الميم؟

·    إنها ليست راء يا أستاذة وإنما هي طريقة رسم الميم في قواعد خط "الثلث".

ذنب هذه المعلمة أنها لم يُدخلها ولي أمرها كُتَّابا لتعلم القرآن الكريم في الصغر (المطوع).

ولكن الذنب كل الذنب لقطبة المحرر – الخطاط الأموي - غفر الله له، فما كان أغناه عن اختراع خط "الثلث" و "الجليل" وتلك الأضاليل، ولو أنه جعلها زينة لثياب النساء ونمارق المجالس ونقوش الحوائط لهان الخطب ..

أكاد أترضى على ابن مقلة مهذب خط (النسخ) وألعن ما سواه من الخطوط، فقد أيقنت بعد معالجة ما لا أحصي من المخطوطات والوثائق أن جميع الخطوط - غير النسخ - إذا كتبت بها الوثائق الثمينة صارت كالأحاجي والطِلَّسِمات بأدنى اختلال في قواعد الرسم لاشتباه الحروف والنقط وتشابكها حينئذ.

ومع أدنى رطوبة أو تغير للحروف ينعدم الانتفاع بها، وتصير النقوش الفرعونية أقرب إلى الاكتشاف منها.

وأما خط الرقعة – الرقيع - فمن أبغض الخطوط إلى نفسي، قيل إن الذي اخترعه هو ممتاز بيك التركي سنة 1280هـ حتى عم الدولة العثمانية والتزمه علماؤنا من بلاد الروم وقلدتهم فيه الدوائر الرسمية التابعة للدولة العثمانية في سائر البلاد، وافتتن به علماء مصر والأزهر خصوصا في عصر التطوير والتجديد ! فكتبوا به كثيرا فضيعوا علينا الاستفادة من أنفس نصوصهم ..

وقريب منه في الرقاعة والحماقة الخط الفارسي الذي أولع علماؤنا من بلاد فارس والروم أيضا بالرسم به فصرت إذا نظرت إلى مخطوطة رومية أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأستغفر الله لكاتبها ..

يا الله !! كم من وثيقة خطية مهمة كتبت بهذه الخطوط - التي هي إلى الطلسمات أقرب - فضاعت علينا فوائدها وكنوزها ولم نستطع بسببها التفريق بين محمد ومحمود ومسجد .. وصرت كلما عجزت عن فهم المقصود بسبب أحد هذه الخطوط أكاد أدعو على مخترعه.

بالله عليكم ما الحاجة إلى تلك الزوائد التي تلحق بالحروف قبلها أو بعدها أو فوقها أو تحتها فتزيدها جمالا – زعموا – ولكنها تجعلها مشتبهة مع كلمة أخرى خاصة عند من لم يحط بقواعد هذه الخطوط خبرا؟

لا يوجد أوضح ولا أظهر ولا أكثر بيانا وإشراقا من خط النسخ، ولا ريب أن المقصود الأول في الخط هو الوضوح وإيصال المعنى المقصود، وكل جمال يكون على حساب الوضوح فهو عبث وخلل، فعلموا أولادكم خط النسخ. 

الاثنين، 5 ديسمبر 2022

إضافة في ترجمة التاجر سلطان بن محمد المناعي


 


الحمد لله واجب الوجود، ذي الكرم والجود، واللطف المعهود، لا إله إلا هو الواحد المعبود، والصلاة والسلام على مهبط الوحي ومشكاة الأنوار، خير من أظله الليل والنهار، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الأخيار الأطهار.

 

وبعد ..

 

هذا المناعي هو سلطان بن محمد بن علي التميمي المناعي نسبا، البحراني مولدا، المنتقل إلى بومبي في الهند، وتاجر اللؤلؤ، الجواد الكريم، المتوفى في الهند سنة 1327هـ ([1]).

 

وإلى هذا الوقت لا يعدو سلطان أن يكون تاجر لؤلؤ خبيرا في صنعته جوادا كريما، لكن مرادنا من هذا المقال إثبات أن سلطان كان – فوق ما وصفنا – عالما من علماء الإسلام، ولتحقيق هذا الغرض نستعرض ما وقفنا عليه من أعمال سلطان على ترتيب السنين مع الشرح والإيضاح عند الحاجة.

 

(سنة 1304هـ)

 

في هذه السنة ظهر أشهر آثار سلطان وأهمها، وهو تأليفه كتاب (مرج البحرين) في أوزان اللؤلؤ - أول كتاب أُلِّف في بابه - ثم نسج الناس على منواله، طبع في الهند في السنة المذكورة، فكان سبب شهرته وظهور أمره ومعرفته.

وكتابه هذا دالٌّ على مهارته في صنعته وخبرته في تجارته.

 

(سنة 1305هـ)

 

فيها طبع سلطان - من نفقته - كتاب (قرة العيون المبصرة بتلخيص كتاب التبصرة) والتبصرة كتاب في الوعظ والتزهيد ألفه الإمام أبو الفَرَج ابن الجوزي الحنبلي([2]) واختصره العلامة أبو بكر بن محمد بن عمر الملا الحنفي المتوفى سنة 1270هـ، فقام سلطان بطباعة هذا المختصر في بومبي في السنة المذكورة، وقدمه وقرظه – مشيدا بكرم سلطان - العلامة الأديب أبو بكر بن عبد الرحمن ابن شهاب العلوي الحضرمي.

وفي هذا العمل دلالة على جود سلطان وإحسانه، ومساهمته في نشر العلوم الدينية النافعة، وفيه كذلك حسن ظنه بالعلامة أبي بكر الملا مختصر الكتاب، وآل الملا لهم شهرة علمية واسعة ولا أشك أن سلطان قد اتصل ببعضهم، وفيه صلته ببعض السادة العلويين الحضرميين الذين منهم مقرظ الكتاب الأديب السيد أبو بكر ابن شهاب العلوي.

 

(سنة 1310هـ)

 

فيها طبع سلطان من ماله (أرجوزة في العقيدة) من نظم الشيخ إسحق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب – ابن حفيد صاحب الدعوة النجدية – وكان الشيخ إسحق دخل الهند سنة 1309هـ بنية لقاء علماء الحديث والأخذ عنهم، فنظم في هذه المدة قصيدته التي ينتصر فيها لمذهبه، وتَعَرَّف عليه في هذه المدة عبد الله بن أحمد المناعي - صهر سلطان – وبواسطة عبد الله هذا وصلت الأرجوزة إلى سلطان الذي قام بطبعها في هذه السنة، ونلاحظ في خاتمة هذه الطبعة كلمة لا ريب أنها كتبت بعلم واطلاع المؤلف الشيخ إسحق جاء في هذه الخاتمة ما نصه :

(( .. وقد تصدى لمباشرة طبعها وتصحيحها من انتهى في الحفظ إلى غاية، واعتنى بمراعاة اللفظ أتم عناية، حميد المساعي، المجاهد في إشاعة الدين والساعي، الشيخ سلطان بن محمد المناعي التميمي والحنبلي ..))

 

وهذه العبارة يستنبط منها فوائد:

 

الأولى : أن سلطان لم يقم بطبع هذه الأرجوزة من ماله وحسب، بل قام بتصحيحها وتقويم ألفاظها، وهذه المهمة لا يتصور أن يقوم بها في العادة إلا مطلع على مبادئ قواعد اللغة العربية على أقل تقدير.

 

الثانية : وصفه بأنه انتهى في الحفظ إلى غاية ! وهذا إما أراد به الأمانة في النقل، أو أراد به سعة محفوظاته، وأي الأمرين أراد إسحق فهي من علامات أهل العلم لا العوام، لأن العامي لا يتأتى منه أمانة النقل عادة لعدم علمه بحقيقة المنقول، كما لا يوصف بالحفظ إلى غاية إلا من له محفوظ كثير ولا يخلو عادة من متعلق شرعي.

 

الثالثة : وصفه بـالمجاهد في إشاعة الدين وهذه العبارة قد تحمل على السعي بالمال ونشر الكتب في إشاعة ونصرة الدين - وذلك لا يشترط له العلم بالشريعة - وقد تحمل على الدعوة باللسان وهي الاحتمال الثاني وهذا يتطلب مقدمات علمية، أو تدل على الأمرين معا – وهو ما ستراه - وسواء كان الشيخ إسحق يقصد بالدين التعاليم الإسلامية عامة، أو يقصد التعاليم الوهابية خاصة فهذا وذاك يتطلبان مقدمات علمية ترجح أن سلطان كان في رتبة شيخ علم.

 

الرابعة : وصفه بـ (الشيخ) وهذه إنما تطلق عادة على صنفين من الناس : الصنف الأول الحكام، والصنف الثاني العلماء، هذا هو عرف شرق الجزيرة العربية الذين منهم الواصف والموصوف هنا، وسلطان ليس من بيت حُكْم وإمرة فلم يبق إلا المشيخة الدينية – وهو ما ستراه واضحا - وقد انتبه موقع المنانعة almannai.net لكلمة (الشيخ) تلك فقال الكاتب هناك : ((وهي تعني كبر المقام العلمي، وكبر السن)) ولا أظن لكبر السن مدخلا هنا، ولا أراه يعني إلا المشيخة العلمية الدينية كما قال وهو ما سيتضح قريبا.

 

الخامسة : وصفه بـ (الحنبلي) وهذا الوصف إما يراد به المذهب الفقهي أو المذهب الاعتقادي أو هما معا، والمنانعة في الأصل مالكية شأن أغلب ساحل الخليج العربي ثم تشفع بعضهم بسبب الهجرات من شرق الجزيرة العربية إلى بر فارس، ثم تحنبل جماعة منهم لا سيما منانعة قطر مع امتداد الدعوة النجدية إلى ساحل الخليج العربي، فيحتمل أن وصف الحنبلية هنا أضفاه إسحق على سلطان يقصد به أنه صار محبا ومعتقدا لأفكار الدعوة النجدية – وإن كان مالكي الفقه - والتي يفضل كثير من أتباعها لقب (الحنبلي) نفرة من اللقب الآخر (الوهابية) الذي عرفوا به، ويحتمل أن سلطان درس الفقه الحنبلي فعلا على بعض الحنابلة الواردين على المنطقة الشرقية قبل استقراره في الهند، ولا أستطيع الآن ترجيح شيء، وأي الأمرين قد كان ففيه إشارة إلى حصيلة علمية تصحح هذه النسبة.

 

(سنة 1311هـ)

 

في هذه السنة كان الشيخ سلطان في البحرين، وكتب بخطه الواضح الجيد عقد بيع بين رجلين على لسان البائع السيد محمد بن السيد حسين الحبشي، فطالع معي نص ما كتب :

 

((بسم الله الرحمن الرحيم

أقول وأنا الفقير إلى الله سبحانه الغني السيد محمد بن السيد حسين الحبشي، بأني قد بعت بيتي على الرجل محمد بن أحمد بن هجرس وأنا في حال الصحة - العقل والبدن - بيعاً صحيحاً شرعياً مُشتملاً على الإيجاب والقبول، الكائن هو في بلدة البحرين في جزيرة المحرق الذي في محلة الزياينة، الآيل إليَّ إرثاً من أبي السيد حسين بحدوده وحقوقه وما اشتمل عليه من أرض وبناء وأبواب وأخشاب ودور وجدران والمجلس والحوطة وما هو داخل فيه وخارج عنه متصل به معدود منه ومنسوب إليه من قديم الدهر وحديثه، بثمن قدره وعدده ألف ومايتين ربية سكة، وقد قبضت الثمن المذكور من الرجل محمد بن أحمد بن هجرس، وقد أذنت له بالقبض والتصرف فيه، وإن ظهر عليه استحقاق - بأي صورة كان ذلك الاستحقاق - فأنا المسئول عن دفعه وتبرية البيت المذكور من سائر الاستحقاقات وتسليمه إلى المشتري، وحد البيت من الشرق بيت مساعد بن أحمد الزياني، ومن الشمال بيت خليفة العيوني، ومن الغرب بيت قاسم المطوع، ومن الجنوب السكة، والله على ما نقول شاهداً ووكيل([3])، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

حرر في 3 ربيع الآخر سنة 1311هـ

كتبه وشهد به فقير عون الله سلطان بن محمد المناعي الختم)) اهـ

 


خط الشيخ سلطان المناعي وختمه


نص كهذا لا يستطيع كتابته كثير من الشيوخ فضلا عن عامي، وهذا دليل ظاهر واضح الآن أن الشيخ سلطان قد تلقى علما لغويا وشرعيا هيأه لمثل هذا الإنشاء الجيد لعقد مبايعة، زد على ذلك أن هذا العقد الذي كتبه الشيخ سلطان ختمه ووقع عليه الحاكم والقاضي الشرعي.

 

(سنة 1312هـ)

 

في هذا التاريخ زار مدينة بومبي العلامة الجليل عمر بن أحمد بافقيه الحضرمي الشحري المتوفى سنة 1357هـ وقد تحدث في كتابه (صلة الأخيار) عن رحلته هذه، وتعرض لذكر شيخ من بيت الجيتكر([4]) - أحد أشهر البيوت العلمية في مدينة بومبي - هذا الشيخ هو العلامة الأديب الطبيب أحمد بن عبد القادر الجيتكر الكوكني الشافعي المترجم في أعلام الهند([5]).

 

يقول عنه عمر بافقيه :

((.. من أكابر العلماء، وله الباع الطويل في علم الطب، ولكنه كما قيل "طبيب يداوي الناس وهو عليل" لأنه أُقْعِد فلم يستطع حركة إلا بمحرك، وكان يصحب بعض أهل الشرق، وهو من علمائهم، يسمى ذلك العالم سلطان المناعي، فبصحبة هذا الشخص دخل معه بعض توهيب))

 

أثبت لنا العلامة عمر بافقيه في هذه السطور أن الشيخ سلطان المناعي لم يكن عالما في الدين فحسب، بل كان على درجة علمية تؤهله لمناظرة العلماء وإقناعهم بحيث اقتنع ببعض آرائه علامة أديب من طراز أحمد بن عبد القادر الجيتكر، وبسبب مناظرة سلطان له جاءه الاقتناع ببعض التوهيب – يعني الأفكار الوهابية - وهذا النص يثبت لنا بكل وضوح أن سلطان المناعي كان عالما من علماء الدين على المشرب الوهابي داعية إلى مذهبهم خبيرا به مقتدرا على المناظرة فيه والمنافحة عنه.

 

قال عمر بافقيه:

((ثم في بعض الأيام حضر سلطان المناعي في بيت بعض الأحباب قراءة المولد النبوي .. ثم بعد ختم المولد قدم صاحب البيت الأكل، فأكلنا جميعا، وبعد الأكل انبسط سلطان المناعي مع الأخ محمد بن طاهر فإذا هو في حالة أخرى كأنه خرج من قلبه ما يعتقده من التوهيب))

 

أما محمد بن طاهر المذكور فهو محمد بن طاهر بن عمر بن أبي بكر الحداد العلوي الحسيني، أحد كبار علماء ذلك العصر وأوليائه المعتقدين([6]).

 

ولكن ما الذي دفع سلطان المناعي وهو عالم من علماء الوهابية لحضور المولد وهو عندهم في أحسن أحواله بدعة محرمة ؟ إن أرجوزة إسحق التي يعرفها سلطان جيدا تُصَنِّف ابنَ طاهر في زمرة المشركين أو المبتدعين في أحسن الأحوال، فكيف يحضر مجلسه؟! لا أظنه فوجئ  بشيء لم يتوقعه، فهل ترخص سلطان طمعا في إقناع جماعة ابن طاهر كما أقنع الجيتكر؟ أم كان سلطان وهابيا متسامحا؟ أم كانت لديه هزة فكرية في ذلك الوقت أراد حسمها على يد ابن طاهر؟ أم أن شخصية ابن طاهر الفذة التي شغلت بومبي أحدثت لديه شغفا عظيما لمقابلته واكتشاف صدقه أو كذبه ولو ارتكب موبقة اقتحام المولد؟ الله أعلم ما الجواب الأكيد، والزبدة أن الذي بدا على سلطان بعد مقابلته ابن طاهر وانبساطه معه في الحديث انقلابه – على ذمة عمر بافقيه - إلى "حالة أخرى كأنه خرج من قلبه ما يعتقده من التوهيب"

وليت شعري ما الذي دار بينهما في ذلك المجلس؟! وما الذي شاهده سلطان من ابن طاهر حتى نكص على عقبيه !

 

يواصل عمر بافقيه قائلا :

((ثم راح إلى رفيقه المقعد الشيخ أحمد الجيتكر وقال : إن دواءك وزوال ما بك لا يكون إلا على يد الحبيب محمد بن طاهر الحداد، فطلب الحبيب إلى بيت والده كأنه على ضيافة، فحضر الحبيب، ثم أدخلوه على المُقْعَد، فقرأ عليه ما شاء الله أن يقرأ، وامتدح الحبيب محمد بقصائد طنانة مثبتة في غير هذا الكتاب، فبرئ من أكثر مرضه، ولم يبق معه إلا شيء يسير))

 

أقول الآن لو كان سلطان متورطا في حضور ذلك المجلس مضطرا للمساترة والمداجاة لانسَلَّ منه متلطفا ساكنا ثم يكفر عن ذنبه هذا بطباعة كتاب آخر على غرار أرجوزة إسحق، أما وقد هرول إلى صاحبه أحمد الجيتكر – على ذمة بافقيه - يبشره بالشفاء على يد الولي الصالح ابن طاهر الحداد لتتفجر قريحة الجيتكر – بعد شفائه - عيونا من الشعر في ابن طاهر ! فلا أظن سلطان يفعل ذلك وفي رأسه بقية من أرجوزة إسحق وحنبليته.

 

وهذا آخر العهد بأخبار سلطان المناعي، ولم أقف على شيء حتى الآن من أخباره بعد هذا التاريخ، وما ذكرناه كاف لإثبات أن سلطان لم يكن تاجر لؤلؤ وحسب بل كان عالما، بل داعية إلى الدين، بل مناظرا صادقا في اختياره ورأيه، ينبغي أن يستدرك في علماء وأدباء البحرين إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.



([1]) ـ جمعت بعض المعلومات عنه مما كُتب في موقع المنانعة: (almannai.net) وما دونه الأستاذ بشار الحادي ومن مصادر أخرى ثم زدت عليها ما وقفت عليه.

([2]) ـ كان الشيخ قاسم بن مهزع رحمه الله تعالى يوصي بهذا الكتاب يقرأ على الناس وطلبة العلم.

([3]) ـ الخلل النحوي هنا واضح، ومثله في كتابات مشايخ ذلك العهد لاسيما في الخليج كثير.

([4]) ـ وتكتب أيضا جيولكر، ومن أشهرهم العالم الشيخ عبد القادر، وولداه أحمد وعبد الله، وكلهم علماء أدباء شعراء.

([5]) ـ الشيخ الفاضل العلامة أحمد بن عبد القادر الجيتكر الشافعي الكوكني، نسبة إلى كوكن، على ما قيل طائفة من قريش خرجت من المدينة المنورة في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي خوفاً منه، فوصلت ساحل بحر الهند .. المتوفى سنة 1320هـ، ترجمته بتمامها في "نزهة الخواطر" لعبد الحي بن فخر الدين الندوي.

([6]) ـ وقد تقدم ذكره في المقالة السابقة "الخلق اليماني والصلف البحراني" وعمر بافقيه راوي القصة خاله – أخو أمه – وصاحبه وتلميذه في نفس الوقت، وقد أشاد به وعظمه كثيرا فلا يغرنك قوله هنا (الأخ محمد) .