الجمعة، 5 يونيو 2026

مسجد الأزهر في مومباسا قبل 130 سنة

 مسجد الأزهر في مومباسا قبل 130 سنة

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وبعد.

(مومباسا - مُمْباسا) مدينة قابعة في الساحل الشرقي من أفريقيا، في دولة كينيا، تكتنفها أثيوبيا والصومال شمالا، وتنزانيا جنوبا، كما ترى في الصورة.

 


زارتها بعثة أزهرية – قبل سنوات - فأخذهم الممباسيون لمشاهدة معالمها، حتى وقفوهم على مسجد عتيق، فملكتهم الدهشة وهم يرمقون لوحةَ اسمِه مكتوبا فيها (مسجد الأزهر).

 


 لم يظفر شيوخ البعثة من تاريخ هذا المسجد بشيء سوى ما ورثه الممباسيون عن آبائهم أن الذي أسس هذا المسجد رجل جاء من الأزهر!


 ولا ملامة أن البعثة الأزهرية لما رجعت إلى مصر لم تجد ما تنشره عن هذا المسجد ومؤسسه أكثر مما ذكر.

فلهم عذر مقبول، هو أن التسجيل والتوثيق والتدوين من أعمال الجامعات العصرية، والأزهر لم  يلبس حلة التجديد والتطوير إلا في عهد الشيخين المراغي والظواهري بين عامي 1927م = 1345هـ و 1930م = 1348هـ. 

وهذا فيما اتصل بشؤون خاصته وداخلته، وأما شؤون الخارج – كالتي نحن فيها – فقد تراخت العناية بها إلى أمد ليس بالقليل، فما بالك والتأسيس الذي يدكره الممباسيون أسن من الجامعة الأزهرية !

وأثناء بحثي شأنا من الشؤون العلمية - لا تعلق له بممباسا - رمقت طرفا من ذيل خبر (مسجد الأزهر) لكن لا يحسن جره إلا بتقديم ما لا غنى عنه من تاريخ الإسلام في كينيا، ولن أطيله عليك.

دخل الإسلام إلى كينيا قديما، لكن حواضنه الساحلية كممباسا لم تنعم بالأمن والاستقرار، إذ دهمها الغزو الصليبي البرتغالي المجرم – قتلا وحرقا وهدما وما شئت - لعقود طويلة، حتى أجلاهم الأبطال العمانيون عنها، فحينئذ تنفس المسلمون بعض الصعداء، قبل أن تنزل بهم نازلة الاحتلال البريطاني في القرن السادس عشر الميلادي وهم أظلم من الحية.

ولن أُتْرِحَك بكشفِ وبسطِ ما جناه المجرمون على ديار المسلمين ودمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولكن حسبك أنهم جعلوا يد البعثات التبشيرية هي العليا في شؤون البلاد – لا سيما التعليم – فما ظنك بالمسلمين بعد كل هذه القرون الساحقة المحاقة !

أحد وجهاء الإنجليز وأثريائهم الذين ملكوا سعة في ممباسا – وأنت خبير – وتعمل طائفة من المسلمين في مصالحه، واسمه: (مستر هستنج)، قام بما يستغرب من مثله ! لقد سَفَرَ الرجل سفارة حسنة بين مسلمي ممباسا وقلعة الإسلام في مصر في شأن يخدم الإسلام !

ولا أدري ما باعثه – وهو النصراني الجَلد – وبنو جنسه يحتلون البلاد ويُحكمون قبضها.

·    أخَشِي على نفسه وماله من المسلمين الذين تغلي صدورهم مما حل بهم فاصطنع لديهم معروفا يتألفهم به؟

·    أم اعتقد تنصير المسلمين - عزلا جهالا بدينهم - معركة لا نصفة فيها فألجأته شهامته إلى أن يعدل الميل؟

·    أتراه ندم على جناية قومه على مسلمي كينيا ندما أورثه رقة حركته إلى أن يكفر عن ذنبه بما يرضيهم عنه؟

·    وليس بعزيز أن سناً من الإيمان - وهو الرجل القارئ المطلع – قد نفذ إلى فؤاده فاستبطنه ولم يبده.

الله أعلم أي ذلك كان، وإني لأرجو له آخرها.

كانت خطة مستر هستنج - إجابة لطلب الممباسيين - أن يهبط مصر فيلقى قادة المسلمين ليبلغهم حاجة ممباسا لعالم يبين لهم أمور دينهم.

وفي سنة 1318هـ، ومطلع القرن العشرين 1900م حل مستر هستنج مصر واتجه إلى الأزهر الشريف.

وأَسْكُتُ الآن ليتحدث السيد رشيد رضا في مناره بتاريخ 16 ذي القعدة سنة 1318هـ  قائلا:

(من أيام جاء إلى محل الإفتاء في الجامع الأزهر رجل إنكليزي اسمه المستر هستنج، وطلب مقابلة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، وعند مقابلته ابتدره بقوله:

"جئت ثلاث مرات لمقابلة حضرتكم فلم أجدكم هنا وهذه الرابعة، والغرض أن أعرض لكم أن لي أملاكًا في جهة ممباسة في أفريقية سكانها مسلمون؛ لكنهم لا يعرفون من دينهم إلا قليلاً، ولما علموا برحلتي هذه إلى مصر طلبوا مني قبل السفر أن أحضر لهم عالمًا دينيًّا يعلمهم أحكام دينهم.

قال: ويمكنني أن أساعد من يسافر معي لهذه الغاية بأن أنقله على نفقـتي من ساحل زنجبار إلى المحل الذي نقصده، وأتكفل هناك بنفقة أكله وأعطيه بيتًا يسكنه، وعليه أن ينفق على نفسه من هنا إلى ساحل زنجبار، ولا بد له هناك من الإقامة زمنًا يتعلم فيه لغة القوم ليتمكن من إرشادهم"

فعهد إليه فضيلة المفتي أن يراجعه بعد أيام في ذلك.

وقد وقع هذا الطلب على الأستاذ وقعًا شديدًا لعلمه بأن العلماء المتخرجين من الأزهر يأبون الوظائف في بلاد السودان بالرواتب الكثيرة؛ ولأنه إذا لم يوجد في الأزهر - وهو أكبر المدارس الإسلامية وأشهرها - من يسهل عليه أن يهاجر إلى الله تعالى لمجرد الإرشاد ونشر الدين، فذاك أكبر عار على هذه المدرسة، بل على المسلمين كلهم الذين نشر أسلافهم الدين في كل مكان، ثم هو الآن يضمحل ويتلاشى ولا يغار عليه أحد من علمائه الذين لا عمل لهم إلا قراءة علومه، فرأى بعض الحاضرين أثر الحيرة في الأمر باديًا على الأستاذ، فقال له : أنا أعرف رجلاً من النابغين في الأزهر المتصدرين لامتحان التدريس أرجو أن يقبل الهجرة لهذه الخدمة الإسلامية، وهو الشيخ محمود عزوز. وكان الأمر كذلك.

وفي أثناء هذه المدة تقدم الشيخ محمود هذا للامتحان فنجح فيه، وأعطي درجة العالمية من الدرجة الثالثة بالاستحقاق كما علمناه من المصدر الصحيح، وقد استحضره فضيلة المفتي وذكَّره بسيرة سلف الأمة وكبار الأئمة رضي الله تعالى عنهم، وكيف كانوا يهاجرون لأجل حديث واحد يتلقونه أو نشر للدين عند قوم يقبلونه، ودعاه إلى الرحلة لممباسة ابتغاء وجه الله تعالى، وثقة بوعده، فلبى وأجاب، ثم عرض الأستاذ المفتي خبره على ولي النعم مولانا الخديو المعظم ([1]) وذكر لسموه ما رآه من إخلاصه فسُرَّ حفظه الله سرورًا عظيمًا، وجادت مكارمه بمبلغ من المال إعانة له على سعيه المشكور كما هو دأبه في تعضيد كل عمل ينفع الدين والأمة، ويقال: إن المبلغ الذي أعطي له مائة جنيه ([2]) جزى الله تعالى سموه أفضل الجزاء.

ثم إن فضيلة الأستاذ شيخ الجامع الأزهر([3]) أعطى لحضرة الشيخ محمود المذكور منشورًا يخاطب به مسلمي البلاد التي يهاجر إليها، يوصيهم فيه بالثقة بحامل المنشور والاعتماد عليه في فهم الدين وتلقي أحكامه الشريفة النافعة، وقد سافر بالفعل في ليلة الثلاثاء الماضية، وودعه في محطة مصر كثيرون من إخوانه الأزهريين وغيرهم، وزوَّده أكابر شيوخه في الأزهر الشريف بالدعوات الصالحة، وكان نسي أخذ إجازة السفر، فكتب صاحب السعادة محافظ العاصمة رسالة برقية إلى محافظة السويس بالوصية به، وإعطائه باسبورت السفر، فنسأل الله تعالى أن يُسَهِّل أمره، وينفع به، ويجعل رحلته فاتحة خير وقدوة صالحة للأزهريين، فيوفقون للانتشار في الأرض لنشر الدين آمين)اهـ

الظاهر الجلي أن النجاح والتوفيق كانا حليفي الشيخ محمود عزوز، وبرهان ذلك:

·    مسجده الذي أسسه، فها هو ذا قائم يحمل اسمه الذي أسس عليه من أول يوم (مسجد الأزهر).

·    وآية أخرى من آيات الفلج والفلاح أن فضله لم يزل غضا في ذاكرة ممباسا، لا أبلاه تتايع الأزمنة، ولا درسته عجلات الدهور.  

لكن من هو الشيخ محمود عزوز؟

لقد أمضيت وقتا ليس بالقليل باحثا عن ترجمته في كتاب أو صحيفة، لكني رجعت بخفي حنين.

ولما أذن الله تعالى لذكر هذا الشيخ أن يظهر ولسيرته أن تنشر وفقني سبحانه إلى جمع شطر صالح منها بعد تفرق، أودعتها كتابي "الأعلام الأحمدية" ولنجعل لها مقالا مستقلا آخر إن شاء الله.

هذا وبالله التوفيق، والحمد لله رب العالمين.



([1]) ـ هو الخديوي عباس حلمي، وكان محبوبا.

([2]) ـ قد يصل هذا المبلغ اليوم إلى ما يقرب من 3 ملايين جنيه مصري.

([3]) ـ هو الشيخ حسونة النواوي الحنفي رحمه الله.

الجمعة، 3 أبريل 2026

العلامة حسن حسين الأزهري



الحمد لله الذي لا إله سواه، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله وحبيبه ومصطفاه، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.

وبعد .

فإني كنت جمعت كتابا فيما تيسر من تراجم علماء الجامع الأحمدي الشهير في مدينة طنتدا بمحافظة الغربية بجمهورية مصر العربية، سميته (الأعلام الأحمدية) لم ينشر بعد.

ولما كان من هؤلاء الأعلام الشيخ حسن حسين الأزهري فقد اجتهدت في جمع ما تيسر من أخباره، ولم أقف على تاريخ وفاته.

وفي شهر شعبان من هذه السنة 1447هـ أتحفتنا مجلة الأزهر الشريف بهديتين علميتين مرفقتين، إحداهما كتاب (الخلاصة في علم أصول الفقه) من تأليف الشيخ حسن حسين، وقد جاء تاريخ وفاته على غلاف الكتاب سنة 1375هـ.

وكم كنت متلهفا لمطالعة مقدمة هذا الكتاب لظني أنها تشتمل على ترجمة وافية للمؤلف فأستدرك ما نقص عندي منها.

فيسر الله تعالى لي الكتاب - قبيل عيد الفطر - فإذا بترجمة المؤلف في مقدمة الكتاب في سطرين فقط هكذا :

(هو حسن حسين، مدرس أصول الفقه بكليتي أصول الدين والشريعة بالجامعة الأزهرية، توفي سنة 1375هـ)

فلما وجدت بعض طلاب العلم يسألون عن ترجمة المؤلف، ولم أقف له على ترجمة في شيء من كتب التراجم بحسب اطلاعي القاصر، ترجح لدي نقل ترجمته التي في (الأعلام الأحمدية) هنا ليستفيدها مريدها، وليفيدني من وقف على زيادة فيها متفضلا مشكورا.


(الترجمة) 


(الشيخ العلامة حسن حسين الأزهري، أحد علماء المعهد الأحمدي.

لعل مولده نحو سنة 1300هـ، ومن أقرانه الشيخ عبد المجيد سلامة الآتية ترجمته.

طلب العلم والتحق بالأزهر الشريف ونال العالمية الأزهرية.

عمل في بعض المعاهد الأزهرية مدة، ولذكائه وتميزه نقل موظفا في دار الكتب المصرية نحو سنة 1348هـ

مكث المترجم في هذه الوظيفة بضع عشرة سنة، عمل فيها في مجال الفهرسة والترتيب والتصنيف والتصحيح، وتعامل مع مخطوطات الكتب ومطبوعاتها، ودراستها، وما يتعلق بهذا الفن، واكتسب خبرة تامة في هذا المجال.

وفي دار الكتب التقى بثلة من أقرانه العلماء الأزهريين الأعلام الأذكياء، وتبادل معهم الخبرة والعمل كالشيخ محمد محمد يوسف اللبان، والشيخ مصطفى دردير معتوق، والشيخ أحمد محمد الأقدمي، والشيخ عبد الوهاب الشناوي، والشيخ محمد عبد الرسول، والشيخ محمد السيد عطية الفقي والشيخ أحمد عبد العليم البردوني والشيخ عبد المجيد سلامة - المترجم هنا في محله – والشيخ محمد عثمان محمد والشيخ محمد عبد الجواد الأصمعي.

اجتمع المترجم في عمله مع هذه النخبة في دار الكتب المصرية إلى سنة 1356هـ

وفي هذه السنة وضع هؤلاء المذكورون بصفتهم الوظيفية المذكورة – ومنهم المترجم - تواقيعهم تقريظا لكتاب "نور الأنوار" تصنيف الشيخ السيد حسين بن محمد الرفاعي المحلاوي ([1])

ولما كانت المكتبة الأزهرية الشهيرة إلى سنة 1362هـ تفتقر إلى الفهرسة أيضا، قرر مجلس إدارة الأزهر في عهد مشيخة الشيخ محمد مصطفى المراغي، وأمانة الشيخ أبي الوفا المراغي للمكتبة - وباقتراح منه - انتداب لجنة لفهرسة مطبوعات ومخطوطات المكتبة. 

ولما كان هذا العمل ليس سهلا، ويفتقر إلى الخبرة العالية، ولما كان المترجم معروفا مشهورا بخبرته العالية في هذا المجال فقد استعانت به إدارة الأزهر فشكلت هذه اللجنة برئاسته، فشرعت اللجنة في عملها في ربيع الثاني من سنة 1362هـ.

قال الشيخ أبو الوفا المراغي :

(وفي إبريل سنة 1943م بدأت المكتبة في تنفيذ الفكرة بعد التمهيد لها في جو هادئ حرصا على نجاحها، فألفت لجنة برئاسة الشيخ حسن حسين من علماء الأزهر المدرسين بالمعاهد، والذي مارس عمل الفهارس بضعة عشر عاما بدار الكتب المصرية ..)اهـ ([2])

ونقيد هنا أن الجزأين الأول والثاني من هذه الفهارس هما من عمل الشيخ المترجم ([3])

باشر المترجم عمله هذا من سنة 1362هـ إلى سنة 1363هـ وهو مدرس بمعهد القاهرة الأزهري كما ترى في توقيعه ([4]) :


 

واستمع إلى المترجم وهو يشير إلى عمله في فهرسة دار الكتب سابقا وفهارس المكتبة الأزهرية في مقاله (علوم القرآن) في مجلة الأزهر قائلا :

(ولولا ما تقتضيه طبيعة عملي في فهارس دار الكتب سابقا، وفهارس المكتبة الأزهرية الآن من الاطلاع على الكتب، وبحث موضوع كل كتاب، لما علمت عنها شيئا إلا ما نعلمه نحن الأزهريين من بعض كتب التفسير الدراسية .. وهذه المؤلفات بعضها مطبوع وبعضها مخطوط، وهي محفوظة بالمكتبة الأزهرية ودار الكتب المصرية وغيرها من مكتبات المعاهد الدينية بالأقاليم والمحافظات، والاطلاع عليها سهل ميسور بمراجعة فهارس هذه المكتبات إن كان لها فهارس.

وقد أنجزت – بفضل الله – فهرس علوم القرآن "بالمكتبة الأزهرية" وأنجزت فهارس "التفسير والقراءات" وغيرهما، وهي تطبع الآن، وسيظهر الجزء الأول منها قريبا إن شاء الله، فهو مساعد كثيرا على إظهار ما خفي من هذه المؤلفات) ([5])


وقد كوفئ المترجم على هذا العمل الجليل ونقل مدرسا إلى المعهد الأحمدي بطنتدا فكان مدرسا فيه في سنة 1365هـ

وهذا توقيعه في أحد مقالاته في مجلة الأزهر لهذه السنة ([6]) :

 


لفتت مقالاته في الدفاع عن الإسلام والقرآن الانتباه، فقد تميزت بالغزارة والدقة، والبلاغة، والتفنن في النقل من المراجع المختلفة، المطبوعة والمخطوطة، والغوص على دقائق المسائل في بطون الكتب، فلهذا اصطفته إدارة الأزهر ليكون كاتبا أساسيا في مجلتها العالمية، فكتب فيها سلسلة من المقالات النفيسة لأكثر من عشر سنوات متتالية، ابتداء من سنة 1357هـ إلى سنة 1368هـ.

واستمع إليه وهو يتحدث عن موضوع (علم إعجاز القرآن) فيلقي عبارة جسورة على مسمع ومبصر العالم عن خبرة، وثقة بالنفس، فلا يقوى أحد من القراء على تعقبه أو الاستدراك أو مراجعته فيها، قال :

(لقد كنا نخجل حينما نجيب السائلين على كثرتهم عن مؤلفات في هذا الفن بأنه لا يوجد في المكتبات الشرقية عموما، والمكتبات العامة في مصر "دار الكتب الملكية" و"المكتبة الأزهرية" إلا مؤلف واحد في هذا الفن وهو كتاب "إعجاز القرآن" للباقلاني.

أما كتاب الرافعي فهو مع إجلالنا لمؤلفه أشبه بكتاب أدب منه بكتاب في إعجاز القرآن، لأننا إنما نريد إعجاز القرآن من ناحية نظمه وسر تراكيبه وما بين كلماته  من سحر، الأمر الذي أعجز العرب مع التحدي بأقصر سورة منه.

وأما كتاب الإمام الجليل عبد القاهر الجرجاني "دلائل الإعجاز" فهو كتاب في البلاغة التطبيقية وليس كتابا في إعجاز القرآن ..)اهـ ([7])

ولما كان المترجم من فرسان مجلة الأزهر وسيوفها المصلتة على كل مفتر كذاب، أو مفسد يترصد للإسلام بالنقد، فهذه شهادة المؤرخ الكبير الشيخ محمد رجب بيومي لثلة منهم المترجم قال:

(وقد عاشت المجلة عهدا مليئا بالأفكار الوافدة، والتجديد المنحرف والمعتدل، وخاض كتابها حربا شريفة في منازلة النزعات المريضة، وأذكر من أعلام هذه الحلبة الأساتذة : محمد فريد وجدي، ومحمد عبد الله دراز، ومحمد المدني، وعبد اللطيف السبكي، وعلي العماري، وحسن حسين ..)اهـ ([8])

أما آخر المقالات التي كتبها المترجم في مجلة الأزهر فقد كانت في سنة 1368هـ ولم أعثر له على شيء في سنة 1369هـ.

وأما آخر التواريخ في عمله في فهارس الأزهر فهو سنة 1371هـ عندما كان يشير إلى وجود بعض المؤلفين أحياء في هذا التاريخ.

وعندما انتقل المترجم إلى كلية الشريعة الإسلامية بالأزهر ألقى عدة محاضرات في علم أصول الفقه، ثم رتبها في كتاب على صيغة السؤال والجواب.

ولما أصدر مجمع البحوث الإسلاميَّة عدد شهر (شعبان) لعام 1447هـ من مجلة الأزهر الشريف نشر مع العدد كتابين هدية للقراء أحدهما هو (الخلاصة في علم أصول الفقه) للمترجم الشيخ حسن حسين.

 وقد جاء على غلاف الكتاب ومقدمته أن المترجم توفي سنة 1375هـ ([9])

رحم الله المترجم وجزاه خيرا عن الإسلام والمسلمين.



([1]) ـ نور الأنوار في فضائل وتراجم آل البيت الأطهار، الطبعة الملحقة ببحر الأنساب، ص78.

([2]) ـ مقدمة الطبعة الأولى لفهارس الأزهرية.

([3]) ـ مقدمة الجزء الخامس من فهارس الأزهرية.

([4]) ـ مجلة الأزهر، المحرم، سنة 1363هـ، المجلد 15، ص120.

([5]) ـ مجلة الأزهر، المحرم، سنة 1363هـ، المجلد 15، ص118.

([6]) ـ لا يخفى أن النقل إلى المعهد الأحمدي قديما يعد أمنية كثيرين لأن المدرس فيه يمكنه الحصول على مميزات مالية إضافية.

([7]) ـ مجلة الأزهر، المحرم، سنة 1365هـ، المجلد 17، ص135.

([8]) ـ مجلة الأزهر، المحرم، سنة 1424هـ، المجلد 76، ص7.

([9]) ـ وعندي على هذا التاريخ ملاحظة أذكرها للباحثين راجيا الإفادة بشأنها:

المعروف أن لقب "دكتور" أطلق أول مرة على من يحمل العالمية الأزهرية في العهد الجمهوري بقانون رقم 103 لسنة 1961م = 1381هـ، وبناء على هذا القانون نفسه ظهر أول مرة اسم القانون مضافا إلى الشريعة فيقال كلية القانون والشريعة، أو الشريعة والقانون.

لكننا نلاحظ في تصدير كتاب (الخلاصة) إطلاق لقب "دكتور" على الشيخ حسن حسين ! ثم نلاحظ في مقدمة المؤلف نفسه قوله عن محاضراته هذه: "ألقيتها في الأزهر .. بكلية القانون والشريعة" ! فما جواب هذا الإشكال؟ هناك أربعة احتمالات:

الأول : أن يكون تاريخ وفاة الشيخ المؤلف تقريبي ويكون عاش بعد ذلك حتى لقب بدكتور وعدل اسم الكلية، وهو احتمال بعيد عندي.

الثاني : ظهور لقب "دكتور" واسم "القانون" قبل قانون سنة 1381هـ وهو بعيد عندي أيضا.

الثالث : أن لقب "دكتور" مجاز باعتبار ما سيكون، وأن اسم "قانون" من ملاحظات أو إضافات بعض أمناء مكتبة كلية الشريعة والقانون، وهو تصرف غير جيد.

الرابع : ألا يكون الشيخ حسن حسين هو مؤلف هذه الخلاصة، والله أعلم.


الخميس، 5 مارس 2026

(وما ذنب البخاري؟)




تحدثت في مقال أو مقالين سابقين عن أسباب النصر، وبينت أن النصر يعتمد :

إما على الأسباب العادية والاستعداد الذي تنتهجه سائر الأمم، من التقدم العلمي والتسلح الحديث والاتحاد والأحلاف .. فمن كان أجود استعدادا وتخطيطا كان أولى بالنصر، ومن لم يكن كذلك خسر.

وإما على النصرة الربانية، وهذه وإن كان انتظارها قد يطول، فإنها تستوجب أيضا ما وسع المسلم من الاستعدادات العادية، وتتطلب فوق ذلك الاستسلام التام لأحكام الله تعالى بأداء ما فرضه الله تعالى وترك ما نهى عنه.

ولما كان المسلمون في العصر الأخير قد فرطوا في الاستعداد بنوعيه توالت عليهم الهزائم، وباتوا في ذلة وخزي ومهانة، فلا هم سلكوا طريق الأمم المتقدمة، ولا طريق طاعة الله ليستحقوا النصر منه.

وعندما لا ينتبه بعض المسلمين إلى إهمالهم هذين الشرطين للنصر فإنهم يخطؤون خطأ أكبر من هذا الإهمال عندما يسمحون بتسلل الشك والريب إلى أنفسهم في ثوابتهم ومناهجهم الدينية.

ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما جرى للخديوي – أو الخديو - إسماعيل حاكم مصر قبل أكثر من 140 سنة هجرية، والذي أراد أن يجعل من مصر نسخة من أوروبا في كل شيء، فسمح بوجود جمعيات التنصير، وسمح بالمحاكم المختلطة التي تنص قوانينها على إباحة الزنا والخمر والربا والقمار ... ومع هذا دخل في حرب مع الحبشة منتظرا النصرة من الله تعالى بزعمه!

قال العلامة محمد بن سليمان رئيس المحكمة العليا الشرعية في مصر في كتابه "من أخلاق العلماء" ص75 وما بين المعقوفين فمني توضيحا:

(حدثني صديقي الكريم محمد فهمي الناضوري باشا عن أحمد أفندي بدوي عن أبيه عن جده – وكان من الشيوخ بالأزهر في عهد الخديو إسماعيل – قال:

لما وقعت الحرب بين مصر والحبشة وتوالت الهزائم على مصر لوقوع الخلاف بين قواد جيوشها ضاق صدر الخديو لذلك، فركب يوما مع شريف باشا وهو محرج فأراد أن يفرج عن نفسه فقال [الخديوي] لشريف باشا:

ماذا تصنع حينما تلم بك ملمة تريد أن تدفعها؟

فقال [شريف باشا]: يا أفندينا إن الله عودني إذا حاق بي شيء من هذا أن ألجأ إلى صحيح البخاري يقرؤه لي علماء أطهار الأنفاس فيفرج الله عني.

قال [الراوي]: فكلم [الخديوي] شيخ الجامع الأزهر – وكان الشيخ العروسي – فجمع له من صلحاء العلماء جمعا أخذوا يتلون في البخاري أمام القبلة القديمة في الأزهر، قال ومع ذلك ظلت أخبار الهزائم تتوالى، فذهب الخديو ومعه شريف باشا إلى العلماء وقال لهم محنقا:

إما أن هذا الذي تقرؤونه ليس صحيح البخاري، أو أنكم لستم العلماء الذين نعهدهم من رجال السلف الصالح، فإن الله لم يدفع بكم ولا بتلاوتكم شيئا. فوجم العلماء لذلك.

وابتدره شيخ من آخر الصف يقول له: مِنْك يا إسماعيل، فإنا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم" أو كما قال.

فزاد وجوم المشايخ، وانصرف الخديو ومعه شريف باشا ولم ينبسا بكلمة.

وأخذ العلماء يلومون القائل ويؤنبونه، فبينما هم كذلك إذا بشريف باشا قد عاد يسأل: أين الشيخ القائل للخديو ما قال ؟ فقال: أنا. فأخذه وقام، وانقلب العلماء بعد أن كانوا يلومون الشيخ يودعونه وداع من لا يأملون أن يرجع.

وسار شريف باشا بالشيخ إلى أن دخلا على الخديو في قصره، فإذا به قاعد في البهو وأمامه كرسي أجلس عليه الشيخ، وقال: أعد يا أستاذ ما قلته لي في الأزهر. فأعاد الشيخ كلمته، وردد الحديث وشرحه.

فقال له الخديو: وماذا صنعنا حتى ينزل بنا هذا البلاء؟

قال له [الشيخ]: يا أفندينا أليست المحاكم المختلطة قد فتحت بقانون يبيح الربا؟ أليس الزنا برخصة؟ أليس الخمر مباحا؟ أليس أليس - وعدد له منكرات تجري بلا إنكار – وقال: كيف تنتظر النصر من السماء؟

فقال الخديو: وماذا نصنع وقد عاشرنا الأجانب وهذه مدنيتهم؟

قال [الشيخ] إذن فما ذنب البخاري؟ وما حيلة العلماء؟

ففكر الخديو مليا وأطرق طويلا ثم قال له صدقت صدقت، وأمر فرتبت له في الرزنامجة ثلاثون جنيها. وعاد الشيخ بعد هذا إلى الأزهر وإخوانه قد يئسوا منه فكأنما قد ولد جديدا) انتهى النقل.

فهذا الخديوي جهل أو تجاهل – مستهبلا - جرائمه في حق الإسلام والمسلمين ثم خاض حربا يرجو النصر فيها، فلما لم ينتصر حاول الجاهل أن يلقي باللائمة على صحيح البخاري أو العلماء الذين يتلونه !!

ثم إنه لم يتعظ مما قاله له هذا الشيخ ولا غيره، ولم تكن المكافأة التي رصدها للشيخ الأزهري إلا رشوة يشتري بها لهجته الصادقة، بل زاد فساد إسماعيل وتعاظم فساد ابنه توفيق من بعده، حتى أفتى بعض العلماء بكفره وجواز الخروج عليه، وكان من نتائج ذلك قيام ثورة أحمد عرابي سنة 1299هـ والتي فشلت أيضا، وكان ذلك كله من أسباب التدخل الإنجليزي في مصر.

وزبدة القول أن النصرة لا تحصل للمسلمين إلا من الوجهين الذين شرحناهما أولا، ومن نظر في حالهم اليوم يقطع أن بينهم وبين النصرة بنوعيها بون شاسع.

هذا ونسأل الله تعالى أن يغفر لنا ضعفنا وقلة حيلتنا وأن يبرم لهذه الأمة أمرا رشدا يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويعمل فيه بشرعه، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.


(تنبيه):

الشيخ الأزهري المذكور في القصة في مصدرها الأصل لم يسم كما رأيتَ، وقد انتشرت القصة على الشبكة الرقمية كثيرا على أن الشيخ الأزهري فيها هو الشيخ توفيق البتشتي ! - وهو صاحب الصورة المرفقة - وهو عالم جليل القدر، إلا أنه ليس صاحب القصة، لأن الحملة المصرية على الحبشة بدأت سنة 1284هـ في عهد الخديوي إسماعيل، وكانت أول المعارك بتاريخ 17 شوال سنة 1292هـ وآخرها في 12 صفر من سنة 1293هـ.

والشيخ توفيق محمد خليفة البتشتي – بفتح الباء والتاء وسكون الشين - نسبة إلى قرية "أبو تشت" من محافظة قنا في صعيد مصر ولد سنة 1294هـ - بعد حرب مصر والحبشة - والتحق بالأزهر سنة 1308هـ فمحال أن يكون هو صاحب هذه القصة. 

نعم لعل الشيخ توفيقا كان يحكي هذه القصة كثيرا لطلابه في معهد أسيوط الأزهري ومعهد قنا الأزهري فتوهم بعضهم بعد ذلك أنه صاحب القصة، وليس كذلك.

وقد كان شيخنا العلامة محمد زكي الدين إبراهيم الحسيني الشاذلي رائد العشيرة المحمدية في مصر يحكي هذه القصة عن جده لأمه الشيخ محمود أبو عليان، وفي ترجمة الشيخ أبي عليان من جمهرة أعلام الأزهر مصداق ذلك.

وهو الشيخ العالم الصالح  محمود بن عَلْيَان بن زيد بن على بن نصار بن نصر الحسيني نسبا الصعيدي إقليما البصيلي الزوايدي قرية وأصلا ثم القاهري البولاقي إقامة المالكي مذهبا الشاذلي العفيفي مسلكا الأشعري عقيدة الأزهري تخرجا الشهير بـ أبي عَلْيان المولود سنة 1256هـ، والمتوفى سنة 1326هـ


خط الشيخ محمود أبو عليان


فهذا الشيخ هو صاحب القصة لا الشيخ البتشتي، والشيخ أبو عليان كان: 

ـ من تلاميذ العلامة الغيور الجسور الولي الصالح الشيخ محمد عليش الشاذلي قطب الأزهر ومفتي المالكية في عصره.

ـ ومن تلاميذ العلامة الصادع بالحق الشيخ حسن العِدْوي الحمزاوي المالكي الشاذلي ذي المواقف الشجاعة. 

فبهما اقتدى تلميذهما الشيخ محمود أبو عليان في صدق لهجته، وقد رد كل الألقاب والهبات التي حاول الخديوي إسماعيل استمالته بها.

رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأخلف أمثاله على المسلمين.