‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات وردود فقهية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات وردود فقهية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 12 سبتمبر 2026

الفتاوى الشاذة ليست من الشريعة الإسلامية

 بسم الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ..

وبعد ..

لما اطلعني بعض طلبة العلم على هذا المنشور:


وجدت أنه يجب علي شرعا بيان ما يلي: 

اعلم رحمك الله تعالى أن أهل السنة والجماعة أربعة مذاهب: المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة، اجتمعت عليها الأمة قرونا عديدة، ولا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة، وقد أجمعوا على وقوع الطلاق في الصور التالية:

الصورة الأولى: أن يطلق الرجل امرأته ثلاث طلقات في لفظ واحد، كأن يقول لها (أنت طالق ثلاثا أو بالثلاث) فأجمعوا أنها طالق ثلاثا.

الصورة الثانية: أن يعلق الرجل طلاق امرأته على أمر فيقع كأن يقول لها (إن خرجت فأنت طالق) فخرجت فقد وقع الطلاق.

الصورة الثالثة: أن يطلقها في غير طهر، أي أثناء الدورة الشهرية (الحيض) أو (النفاس) فيقع الطلاق.

الصورة الرابعة: أن يطلقها في طهر لكن قد مسها فيه أي (جامعها) فيقع الطلاق.

فأجمعوا على وقوع الطلاق في هذه الصور كلها، وإجماعهم هذا مثل إجماعهم - قوةً وحجةً - على أن (قل هو الله أحد)  آية من القرآن الكريم، وأن الخمر محرمة .. نعم اختلف الفقهاء هل أساء الزوج بهذه الطريقة في التطليق أم لا ؟ فبعض الفقهاء وإن سَمَّوا هذه الإساءة طلاقا بدعيا لكنهم اتفقوا على وقوع الطلاق فيها. 

وبقي هذا الاتفاق إلى القرن الثامن الهجري فرأى واحد من علماء الحنابلة أن يجتهد في بعض هذه المسائل فأداه رأيه إلى أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع واحدة فقط لا ثلاثا، وأن الطلاق المعلق مجرد يمين علاجها الكفارة، فخالف بذلك المعتمد في مذهبه المعمول به من عهد الإمام أحمد بن حنبل، لكن علماء الحنابلة ردوا رأيه ولم يعتدوا بقوله هذا في المذهب، وعدوه شذوذا وخروجا عن الإجماع، ثم قيل إن هذا العالم رجع عن فتياه هذه.

ومن الخطأ البين نسبة هذا القول إلى الحنابلة متقدميهم أو متأخريهم، ومن أهل السنة من يظن أن هذا القول مقبول أو معتبر عند متأخري الحنابلة وليس كذلك، قال إمام الدعوة النجدية الثاني الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن إمام الدعوة النجدية الأول الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

(كان في مصر رجل يفتي الناس أن الطلاق الثلاث واحدة، ويزعم أنه مذهب الحنابلة فكان من طلق امرأته ثلاثاً ذهب إليه ليبيحها، فنهيته عن ذلك وبينت له أقوال الإمام أحمد في ذلك) اهـ علماء نجد خلال ثمانية قرون 1/184

فاستمر العمل على الإجماع من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى سنة 1920م = 1338هـ لكن لهذا التاريخ مقدمات حدثت في مصر - قلب العالم الإسلامي المؤثر - لا بد من الإشارة إليها سريعا، ليعي القارئ ما أرمي إليه:

  • في سنة 1875م (1292هـ) تأسست المحاكم المختلطة (عهد الخديوي إسماعيل) بنفوذ وضغط أجنبي جراء الامتيازات والديون، ونتج عن ذلك أن هذه المحاكم صارت هي المختصة في القضايا التي يكون أحد أطرافها أجنبيا، وقوانينها مستمدة من القانون الفرنسي، حدث هذا مع رفض واسع من الشعب ومن علماء الأزهر وقضاة الشرع واعتبروا ذلك تعديا على الشريعة، بينما رحبت الدول الأوربية بهذه الخطوة.
  • وفي سنة 1882م - 1883م (1299هـ - 1301هـ) ومع استمرار القرارات التي تتحدى الشعب المسلم في عهد (الخديوي توفيق) حدثت ثورة نجم عنها احتلال عسكري بريطاني لمصر، وفي هذه الظروف الصعبة ظهرت المحاكم الأهلية التي تطبق القانون الفرنسي على المسلمين، مما أدى لـ عزل الشريعة رسمياً عن التشريع المدني والجنائي والتجاري، وقصرها على الأحوال الشخصية والوقف، مما أنتج ثورة عارمة وغضبا شعبيا، وصدرت فتاوى في تكفير توفيق، بينما قبلت القوى السياسية الموالية للاحتلال تلك الإجراءات، وباركتها بكل تأكيد الدول الاستعمارية.
  • أدركت الثعالب الإنجليزية في حقبة الاحتلال أن تغيير الحالة الدينية في العالم الإسلامي يجب أن يبدأ من قلبه وحاضرته مصر، وأن العبث بالبقية الباقية من أحكام الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يتم دون موافقة المرجعية الكبرى للمسلمين في العالم الإسلامي: (الأزهر الشريف) وقد استطاعوا في مدة احتلالهم أن يميزوا فئة من الأزهريين يستبطنون ثورة فكرية قد تكون هذه الفئة ضالتهم المنشودة، فقد تعيد هذه الفئة - المنبوذة من عامة المسلمين والأزهريين - النظر في كثير من أحكام الشريعة الإسلامية - حتى الضروري منها - إعادة تجعل مصر نسخة من أوروبا، ولهذا قال اللورد كرومر

    - مندوب بريطانيا في مصر زمن الاحتلال - في كتابه (Modern Egypt) متحدثا عن هذه الفئة - وقد حذفت اسم شيخهم - 
    (إن [ ...] وتلاميذه ليسوا مسلمين بحق، ولكنهم ليسوا مسيحيين أيضاً، بل هم أصلح أداة يمكن استخدامها لتقويض الإسلام من الداخل دون أن يثيروا شكوك عامة المسلمين) 
  • ثم لفت نظرهم كثيرا فتوى أحد قضاة مصر في السودان يبيح فيها للمسلمين هناك الانضمام إلى الجيش الإنجليزي لقتال الأتراك المسلمين ! فصادف هواهم ورغبتهم، فما زالوا يعتنون به حتى أتوا به إلى مصنع القرار، وفي سنة 1920م = 1338هـ صدر قانون الأحوال الشخصية مشتملا على الأقوال الشاذة الخارجة عن المذاهب المعتبرة لأول مرة في التاريخ الإسلامي، نتيجة وصول هذه الفئة إلى موقع القرار، لأن صاحب القرار قال لهم: (ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنه يوافق الزمان والمكان، وأنا لا يعوزني بعد ذلك أن آتيكم بنص من المذاهب الإسلامية يطابق ما وضعتم) 


لا يمكنني القول بأن هذه الفئة كانت تنوي الإساءة إلى الإسلام، وإن فَعَلَت ذلك تحسب أنها أحسنت صنعا، ففي كثير منهم دين وصلاح وحب للإسلام وغيرة، ولكن هل يمكن نصرة الإسلام بالانحلال من الإسلام نفسه لإرضاء الأهواء المختلفة؟! فهم يسيرون على منهج باطل مؤسس على خرق الإجماعات بالفتاوى الشاذة من هنا وهناك، وتسمية كل قول شاذ منها (مذهب) ويحسبون أنهم هكذا تخلصوا من الحرج، وأنه لا تثريب عليهم لأنهم مجتهدون ! وأنهم يريدون (الإصلاح) ورموا جمهور الأمة المخالفين لهم بـ(الجمود) و(الرجعية)، وركبهم من العجب والغرور ما ركبهم.

إن ما أحدثته هذه الفئة قد انتشر في العالم العربي على يد أنصار هذه الفئة في كل بلد، وقد انتشرت بدعتهم ببطء شديد - وكانت دول الخليج العربي من أواخر الدول التي ابتليت بذلك - لأنه في كل بلد أريد العبث بالشريعة الإسلامية كان يتصدى لذلك الحكام الصالحون، والعلماء الناصحون، ومن ورائهم الناس، يحتجون ويستنكرون، وما سهل عمل هؤلاء في كل بلد مسلم إلا المحتلون الغزاة، لولاهم ما قدر الإفساديون على شيء.

لقد جاهد الأزهريون في تنوير الشعب وتبصير المسلمين بخطر هؤلاء سنين طويلة، والحمد لله أن زالت سطوتهم برحيل الإنجليز، لكن لايزال التصدي لهم عملا صعبا، لأن هذه الفئة وإن كانت قليلة بادئ الأمر فقد قويت شوكتها بخطة المحتلين الغزاة، فلما ذهبوا بقيت أهواء السلاطين، وشهوات الفاسقين النافذين، ثم كثرت وصار لها شأن، وكانوا سببا في ظهور فئات جديدة أشد خطرا منهم ..

وقد عاقب الله سلاطين الجور جميعا الذين أيدوا هذه البدعة بجزاء من جنس عملهم، لأنهم لما عودوا الناس الخروج عن المذاهب المعتبرة بما ابتدعوه من القوانين البدعية والوضعية، وزينوا للناس الاقتداء بالمتحررين من ربقة المذاهب، وعودوهم البحث عما يشتهون من الأهواء في شواذ الآراء، ونعتوا من عارضهم من الفقهاء بالرجعيين والجامدين، لما أيدوا ذلك كله وصاروا سببا في انحلال ارتباط أكثر الناس بمذاهبهم، سقطت هيبتهم عند الناس، لأنه لم يكن للسلطان تفخيم ولا تعظيم إلا في المذاهب المعتبرة، فلما هجر الناس مذاهبهم فلا تكاد تسمع من ينتسب إلى مذهب أبيه أو جده، فإذا غضبوا على ولاة أمرهم انعقدت عزائمهم على الخروج عليهم، وبحثوا فيما شذ من الآراء التي تبيح لهم ذلك فاعتنقوها، وساندهم رؤوس تلك الفئة بالفتاوى والتأييد، إذ لا مانع يردعهم بعد أن نبذوا مذاهب الإسلام وراحوا يبحثون عما يشتهون من الآراء في سوق الفتاوى الشاذة، تلك السوق التي كانت سوداء فصيرها الحكام بيضاء، فلا يستقر هؤلاء السلاطين في الحكم بعد اليوم، فكأنهم سقوا من كأسهم، وجاء جزاؤهم من جنس عملهم، ولو أنهم صانوا الإجماع لما ظهر من يستحل الخروج عليهم.


وهذا المنشور أعلاه يصم الناس بالجهل ! في حين أن الناس بحمد الله لا زالوا يدركون جيدا أن الطلاق إذا خرج من فم الرجل المكلف فقد وقع، وأنه لا يؤثر في وقوعه (حيض) و لا (جماع) ولا (إشهاد) ولا غير ذلك من البدع الوضعية، وأن الزعم بأن هذا الطلاق باطل لهذه الأسباب مستنده ما دبره الغزاة لنا لا إلى الشريعة الإسلامية، وعلى المسلمين اليقظة وإرجاع جميع الأحكام الشرعية التي عبث بها المحتلون وأذنابهم، هذا فرض وهم مكلفون به، ومسؤولون عنه يوم القيامة.

لست أنوي من خلال هذا المقال التحدث بالتفصيل عن تلك الفئة الضالة وما أحدثته، ولا عن دور السياسة القذرة في العبث بالدين، ولا عن تفاصيل مسألة الطلاق، وإنما أردت لفت النظر إلى فساد المنشور أعلاه لئلا يظن المسلم أنه مستند إلى الشريعة، بل هو مستند إلى تلك القوانين الوضعية التي فرضت علينا، ولكن من أراد الاستزادة في ذلك كله فإني أرشده إلى هذه الكتب الثلاثة:


الكتاب الأول : (السياسة والأزهر) وهذا الكتاب يشرح دور السياسة الخارجية والمحلية في محاولات التأثير على الحالة السياسية والدينية في مصر والعالم الإسلامي من خلال الأزهر، وبالمناسبة فإن مؤلف هذا الكتاب الشيخ محمد الأحمدي الظواهري رحمه الله كان واحدا من تلك الفئة، فلا ندري أكان داهية عقد النية على التخطيط لمحاربتها منذ البداية، أم أنه كان منهم فعلا رأيا وفكرا ثم هداه الله تعالى فكان سببا في كشف هذه الفئة وإنقاذ الأزهر منهم.

اضغط هنا لتحميله


الكتاب الثاني : (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) فهو يكشف بالتفاصيل تاريخ هذه الفئة وأسرار تكوينها، وينقل لك نصوصا خطيرة من كلامهم وكلام المحتل الذي صنعهم.

اضغط هنا لتحميله


الكتاب الثالث : (الإشفاق على أحكام الطلاق) وهو كتاب ألفه وكيل المشيخة الإسلامية في الدولة العثمانية الإمام محمد زاهد الكوثري، الذي استقر في مصر فارا بدينه من تركيا الكمالية العلمانية، وقد صنف كتابه هذا في مصر ليوضح أن هذه المسائل التي ذكرت في المنشور أعلاه مسائل إجماعية لا قضايا خلافية يسوغ الاجتهاد فيها.

اضغط هنا لتحميله


نسأل الله تعالى أن يبرم لهذه الأمة أمرا رشدا يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.

الأحد، 30 أغسطس 2026

لا عدالة إلا فيما شرعه الله تعالى


(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)

لا عدالة إلا فيما شرعه الله

 

أحمد الله الذي أرسل رسوله بالهدى وجعله رحمة للناس ونورا، وأعطاه شرعة قيمة تملأ قلوب المؤمنين بهجة وسرورا، فإليها يحتكم المؤمنون في جميع الشؤون، (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)

وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، البشير النذير، والسراج المنير، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه الذين علموا حدود ما أنزل الله على رسوله، فأتمروا بما أمر، وانتهوا عما نهى عنه وزجر، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد ..




لما رأيت بعض المسلمين فرحين بالأحكام القضائية الصادرة على بعض المائلين مع النظام السابق في سوريا، ولم أر من نبه على خطورة ذلك الفرح على عقيدة المسلم رأيت لزاما أن أبين ما يلي لينتفع به المسلمون في سوريا وغيرها إن شاء الله تعالى :

 

إنه لم تزل بلاد الإسلام تُحكم بالشريعة الإسلامية منذ فجر الإسلام وإلى آخر عهد الدولة العثمانية، وإن كانت الأحكام قد تختلف باختلاف مذاهب الدول والأقطار إلا أنها لم تخرج عن الفقه الإسلامي إلا نادرا، وكذلك كان الحال في سوريا.

وعندما أسقطت الخلافة العثمانية، وأطبق الغزو الصليبي على مفاصل بلاد الإسلام كان من أهدافه إلغاء العمل بالشريعة الإسلامية – وقد نجح في ذلك نجاحا كبيرا – حتى بعد رحيله عن تلك الدول.

كانت سوريا تُحكم بالشريعة الإسلامية، ولم يتغير ذلك أثناء السيطرة الفرنسية، واستمر ذلك إلى عهد الرئيس شكري القوتلي رحمه الله تعالى، وآخر قانون شرعي حُكم به في سوريا هو "مجلة الأحكام العدلية" والتي وُضعت في عهد الدولة العثمانية سنة 1286هـ على يد ثلة من كبار العلماء، أسست على المذهب الحنفي، وظل الحال كذلك إلى انقلاب الجبار المجنون حسني الزعيم ([1]) – كما يصفه الشيخ علي الطنطاوي - انقلابا كاملا استلب به السلطة من شكري القوتلي سنة 1949م.

قال الشيخ علي الطنطاوي - وكان قاضيا يومئذ – متحدثا عن مجلة الأحكام العدلية:

(كانت هي القانون المدني في الشام قبل أن يقوم حسني الزعيم بانقلابه المشؤوم وأن يستبدل بالمجلة المستنبطة من شريعة الله القانونَ المدني الذي وضعه عباد الله، لم يستندوا فيه إلى كتاب منزل ولا إلى سنة نبي مرسل)

قال أيضا: (ومرّت الأيام وجاء انقلاب حسني الزعيم فألغى قانون الجزاء العثماني الذي کنا نحکم به، وجاؤونا بقانون جدید مترجَم عن القوانين الأجنبية الوضعية، ولي مع هذا القانون شأن طويل، كتبت عنه وحوكمت أمام مجلس القضاء الأعلى وحكم علي بعقوبة ماليّة)

جزى الله الشيخ عليا الطنطاوي رحمه الله تعالى خير الجزاء، وأثابه على جهده وجهاده.

وعند البحث عن مصادر هذا القانون الوضعي الزعيمي نجد أنه استُمِد من القانون اللبناني، وهذا استمد من مصدرين :

المصدر الأول القانون الفرنسي: (مدونة نابليون بونابارت) ونابليون بونابارت هو قائد الحملة الفرنسية التي ذبحت أربعة آلاف جندي عثماني أسير في يافا، كما أنشأ المذابح الكثيرة أثناء حملته فقتل الآلاف في مصر والشام، واتخذ من الجامع الأزهر إصطبلا للخيول، وذبح عشرات الآلاف في أفريقيا وغيرها، وجرائمه كثيرة، ثم وضع قانونه هذا وجرى به العمل سنة 1804م.

المصدر الثاني القانون الإيطالي: وهو القانون المعروف بقانون (روكو) نسبة إلى (ألفريدو روكو) وزير العدل في حكومة الطاغية الشهير بنيتو موسوليني النازي الفاشي، ذابح الملايين وسفاح ليبيا، وضع قانونه هذا سنة 1930م وفي عهده أعدم المجاهد عمر المختار بتهمة الخيانة لبلاده !! سنة 1931م.

كان حسني الزعيم يتطلع إلى أن يكون مثل نابليون أو هتلر وأولئك الطغاة، ويتحدث عن سورية الكبرى، وتعاون عمليا مع الفاشيين والنازيين، وقد تم له ما أراد في سوريا بضعة أشهر ثم انقلبوا عليه وأعدموه.

إذن هذا القانون – قانون حسني الزعيم – لا علاقة له بالإسلام ولا بنبي الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولا بالشريعة الإسلامية، ولا حتى بالشعب العربي السوري الحر، وإنما هو كسائر القوانين التي ينتقيها الجبابرة لأنفسهم ومصالحهم ثم يقولون (باسم الشعب) والشعب بريء منها.

ثم إن هذه القوانين صارت سلاحا للمنتصر من المتنازعين يستعمله المنتصر ليفتك بأخيه المغلوب فيتهمه بالخيانة وما شاء من التهم ثم يعدمه أو يعذبه أو يسجنه أمدا بعيدا، وهي نفسها القوانين التي يستعملها مغلوب الأمس إذا عاد فانتصر في الفتك بمن هو مغلوب اليوم ومنتصر الأمس !

وهذه المصيبة لم تك في سوريا وحدها بل عمت أغلب بلاد المسلمين ينتقم بعضهم من بعض ويعذب بعضهم بعضا ويظلم بعضهم بعضا بهذه القوانين الجاهلية، دافعهم الانتقام والتشفي، والتخلص من الخصم.

ظل هذا القانون الوضعي كما هو من عهد حسني الزعيم إلى اليوم لم يتغير في بلد أكثره من المسلمين.

وبعد الثورة الأخيرة في سوريا وسقوط حكم الأسد، وفي هذه الفترة الانتقالية التي يمسك بزمامها رجال ظاهرهم الغيرة على الشريعة الإسلامية، هاهو ذا القانون نفسه يحاكم به الناس !!

وكنت أظن لما رأيت رجال الثورة ظاهرهم الدين والالتزام أنهم حريصون على تحكيم عدالة الإسلام وأحكام الشريعة الإسلامية لا أن يعودوا إلى القوانين الوضعية ولو في الحكم على نفس واحدة، فلا أدري ما عذرهم في هذا.

لكن الذي أدريه أنه لا يسوغ لمسلم صادق أن يحكم أو يفرح بحكم مخالف لحكم الشريعة الإسلامية، قال تعالى ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ صدق الله العظيم.

إن الله تعالى قد نفى الإيمان عن من لم يُحَكّم الله ورسوله، أو عرف حكم الله ورسوله ثم لم يرض به ويستسلم له، قال سبحانه ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ صدق الله العظيم.

وإياك أن تظن أيها المسلم أن هذه الأحكام الوضعية قد تصير مشروعة إذا صادفت الأحكام الشرعية، لأن الأحكام الوضعية لم تؤسس ابتداء ولم تبن أصلا على طاعة الله ورسوله واتباع شريعته، وما كان الواضع ملتفتا إليهما، وما يصادف الحق اتفاقا لا يصير حقا ولا يفرح به.

 

فإن سألت عما يخالف الشريعة في هذا القانون وتلك المحاكمات:

فالجواب: هذه المسألة (اقتتال طائفتين مسلمتين) حكمها في الشريعة الإسلامية ليس من باب الجرائم الفردية، فليست كمن قتل إنسانا ظلما فيقتل به، كما يظنه كثير من العامة، وليست من باب الحرابة وهم قطاع الطرق اللصوص الذين يعترضون الناس في الفلوات يقتلونهم ليأخذوا أموالهم، كما يظنه بعض المتنطعين، بل هي من باب شهير معروف في الفقه الإسلامي سماه الفقهاء (باب البغي) وربما سمي (باب الفتنة) وهو خاص بالاقتتال الذي يكون بين المسلمين، وينشأ بين طائفتين، كل طائفة لها دعوى وشبهة في مقاتلة الأخرى، وقد بسطت هذه المسألة في مقالة قديمة كتبتها سنة 2011 بمناسبة ما جرى في بلادنا، بعنوان:

(رد السنة والشيعة إلى سماحة أحكام الشريعة)


ثم أكدتها وأيدتها بمناسبة ما جرى في مصر في مقال:

(التحية لمفتي الديار المصرية)


ونبهت إليها في مقالات متعددة، وهذا هو المقال الثالث الآن في هذه المسألة، وهي من المسائل الخطيرة المستبدلة في القوانين الوضعية بقانون نابيلون وموسوليني والطغاة الجبابرة شهوة منهم للانتقام وتشفيا من الخصم.

والأصل الأصيل في هذا الباب قوله تعالى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ صدق الله العظيم.

ولا أعلم خلافا بين الفقهاء أنه إذا اقتتلت طائفتان أو أكثر من المسلمين أن الواجب عليهم هو إيقاف هذا الاقتتال وإنشاء الصلح بينهم، وبذل كل ممكن مشروع لتيسير الصلح، لا حكم آخر في هذه المسألة، وأن إحدى الطائفتين إذا انتصرت وغلبت لم يحل لها من الطائفة الأخرى المغلوبة دم ولا عرض ولا مال، ولا غنائم، ولا سبي، ولا يشرع إعدام ولا سجن – إلا أن يسجن الشديد الذي يخشى منه قليلا ريثما تهدأ الفتنة - ولا محاكمات ولا مصادرة أموال ولا مطالبات – إلا من سلب مال أخيه يظنه غنيمة فإنه لا يحل له - وذلك تيسيرا للصلح.

وقد حدث مثل هذا الاقتتال قديما بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وبين أصحاب الجمل وصفين – وكل له تأويله - فلم يسلك أي طرف مع الآخر غير ما ذكرت من الرحمة .. وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو يقاتل الفئة الأخرى حافظا لأموالهم وزروعهم التي في ناحيته من النهب فأمر بتحصيلها ووضعها في بيت مال المسلمين بأسماء أصحابها الذين كانوا يقاتلونه، وبعد الحرب سلمهم تلك الحقوق كاملة.  

فأين هذا ممن إذا وقع في يده أخوه المسلم ذبحه ذبح الشاة أو أعدمه الحياة أو عذبه أو سجنه سجنا لا يخرج منه ثم مع هذا يأخذ أمواله !! هل هذه إلا خلال الجاهلية.

وكثير من الناس يطالبون في هذه الأحوال بالقصاص والإعدام والمحاكمات وذلك لجهلهم بحكم الشريعة الإسلامية في هذه المسألة، وظنهم أنها من باب القصاص ومن قتل يقتل ! ولو علموا بحكم الله ورسوله وشريعته في هذه المسألة لسكتوا وما طالبوا بغيرها، إلا أن يكون المطالب بضدها ليس من أهل الإسلام فليس الكلام معه.


فإن قيل إن بعض المحكومين كالمفتي السابق أفتى بكذا وكذا ..



فالجواب قد علم الله أن في كل طائفة من الطائفتين المقتتلتين المأمورتين بالصلح من يفتي بقتال الأخرى، وإلا لما اقتتلوا، ألم يكن عليٌّ رضوان الله عليه مفتيا بمشروعية قتال الطائفة الأخرى؟ ألم يكن معاوية ومن معه رضوان الله عليهم كذلك يفتون؟ وكيف يتصور وقوع قتال بين طرفين وليس فيهما من يفتي به؟ ومع هذا ما استثناهم الله تعالى من الرحمة ووجوب الصلح والعفو، وقد مرت الآية الكريمة فما استثنى فيها قائدا ولا مفتيا ولا قاضيا ولا مقاتلا ولا جاسوسا ولا معينا أو تابعا لهم من المسلمين أو أهل الكتاب.

 

فإن قيل إن هذا الحكم قد يشق على بعض الناس قبوله لما في قلوبهم من الغيظ ؟!

فالجواب لا خيار للمؤمن الصادق الإيمان إلا الرضا والتسليم لأمر الله، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ صدق الله العظيم.

ولا أشد على نفس الحرّ من أن يجد رجلا مع امرأته ثم يمهل حتى يجد أربعة شهود، ولهذا أَخَذَت الغيرة سعد بن عبادة رضي الله عنه فقال: (لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصَفِّح) فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني)

 قال العلامة الفقيه ابن عبد البر الأندلسي المالكي: (يريد - والله أعلم - أن الغيرة لا تبيح للغيور ما حرم عليه، وأنه يلزمه مع غيرته الانقياد لحكم الله ورسوله وأن لا يتعدى حدوده)

وهذا يقال في كل حال من غيرة وغيظ وغضب وحزن .. وكل حال، لا بد أن يضبط المسلم مشاعره وعواطفه وينقاد لله ورسوله ويكون هواه تبعا لذلك ويحتسب الأجر عند الله.

ثم إن كل طائفة لا بد قد أصابها ما أغاظها – على تفاوت - ولا يختص البلاء بطرف دون آخر، والصلح كفيل بعلاج ما علق بالنفوس، لأن في الصلح تطيبا للخواطر بسبل متعددة ووسائل كثيرة، ومنها القصاص من المتوحشين المجرمين كما سيأتي.

 

فإن قيل ما بال المفتي الحالي لم يوضح ذلك؟

فالجواب أن المفتي قد ذكر ذلك في بعض كلامه إجمالا، ونحن ذكرناه هنا تفصيلا، فقد أرشد إلى نبذ الفتنة وترك الانتقام، وهذا اختصار ما شرحناه لك، ولعلك لا تدري أن المفتي في القانون السوري الوضعي ليست له أي صلاحيات للتدخل في الأحكام القضائية، وقد ذكرنا سابقا أن الشيخ عليا الطنطاوي رحمة الله عليه القاضي الشرعي في أيام حسني الزعيم لما اعترض على القوانين التي أحدثها الزعيم حاكموه وأغرموه مالاً، فليس في يد المفتي الحالي في طوق القانون الوضعي أي صلاحيات.

 

فإن قيل ما الواجب إذن والحالة هذه؟

فالجواب أن المسلم إذا سمع هذه الأحكام الصادرة عن تلك القوانين لم يفرح بها ولو صادفت الحكم الشرعي – لِمَا شرحناه – أما إذا علم أنها مخالفة للشريعة وجب عليه استنكارها في نفسه، فيغضب في نفسه لله، وهذا أضعف الإيمان، فإن قدر على أكثر من هذا - بدون فتنة ولا أذى يلحق به ولا بغيره - وجب عليه كأن يمكنه أن يكتب مقالا أو يخطب خطبة وهو آمن على نفسه وماله، فإن قدر على أكثر كترشيح نائب يمكنه اقتراح تعديل القوانين، أو كان نائبا يمكنه ذلك وجب عليه، أو كان حاكما وجب عليه إنفاذ الشريعة، فكل يقدم ما استطاع (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) وهذا كله إن لم يترتب على ذلك منكر أعظم وإلا تعين السكوت.

 

خاتمة فيها فوائد:

·    رأينا بعض المتنطعين في هذه المسألة الفقهية يحاولون نقلها من بابها الفقهي الذي شرحناه وهو (باب البغي) وجرها إلى (باب الحرابة) المختص باللصوص وقطاع الطرق المجرمين، ورأينا آخرين يحومون بها حول (باب الردة) وهذا التنطع ليس من الفقه في شيء، وهو جهل عظيم بالفقه.

نعم يوجد في كل طائفة – على تفاوت - أفراد مجرمون ينتهزون فرصة الحرب وخلو المكان وغياب الرقيب لارتكاب الجرائم وهتك الأعراض وقتل النساء والأطفال والشيوخ وسفك الدماء البريئة التي لا ذنب لها ولا تشارك في القتال أصلا، ونهب الأموال وارتكاب الموبقات، يفعلون ذلك لهوا ولعبا واستهتارا لما هم عليه من الكفر أو الفسق، فهؤلاء ليس على ولاة الأمر المصطلحين من الطائفتين من حرج في نقلهم من هذا الباب إلى (باب القصاص) أو (باب الحرابة) بحسب ما أتوا من الجرائم وما ارتكبوا من الموبقات، بل إن القصاص من هؤلاء من أسباب تيسير الصلح بين الطائفتين، لكن لا يجوز أن تعمم هذه الصورة على كل أحد بحيث تخرج المسألة من بابها الأصيل الذي هو (باب البغي).

·    لا ريب أن إنفاذ الشريعة الإسلامية منوط بولاة الأمر فقط لا بأفراد الناس، فإن قصّر ولي الأمر فالإثم عليه، ولا حق لأفراد الناس في إنفاذ الأحكام، وإذا كان إنفاذ الشريعة منوطا بولاة الأمر فلا شك أن الواجب عليهم الاستعانة بالفقهاء الراسخين من المذاهب المعتبرة، لا بالمتنطعين من أهل الجهل والتعصب الذين لا يعرفون إلا القتل، فإنهم يذهبون برواء الشريعة وبهائها، ويكونون سببا في نفرة الناس منها.

·    لم نتناول في مقالنا هذا أشياء كثيرة ربما يتصور القارئ أن المقال أخل بها مما يشاع كمحاكمة المسلمين خاصة، وكانتقاء المفتي السابق للمحاكمة من بين المؤثرين في تأييد النظام السابق وهم رؤوس كثر، وكالعفو عن فئة دون فئة، لأننا لسنا بصدد الدفاع عن زيد أو عمرو وإنما لتحذير المسلم من الميل إلى غير ما شرعه الله، وللذب عن أحكام الشريعة الإسلامية وبيان محاسنها في مقابل القانون الوضعي، وللحث على تطبيقها والعمل بها.

·    في كثير من بلاد الإسلام تجد الناس يخوضون في فروع من المسائل ويتعصبون لها أو عليها في الوقت الذي تكون فيه بعض الأركان الإسلامية والإيمانية مضيعة أو تكاد تضيع ويحل محلها كبائر الإثم والفواحش، وهذا خلل عظيم في ترتيب الأولويات.

نسأل الله تعالى لبلاد الشام التمكين والأمن والأمان والاستقرار والعزة والمنعة، والعودة إلى أحكام شريعة الإسلام، وسائر بلاد المسلمين، والحمد لله رب العالمين.



([1]) ـ آل الزعيم بيت علم وفضل، لكن شذ منهم حسني هذا، فقد كان والده العلامة محمد رضا الزعيم مفتيا لحلب، وأخوه الأكبر صلاح الدين الزعيم علامة شهير وداعية كبير، وهو شيخ شيوخنا، روينا عن جماعة عنه، ومما يحسب لحسني الزعيم وقوفه ضد تمدد الحزب الشيوعي الاشتراكي في سوريا.

السبت، 19 مارس 2022

الإسناد إلى متن تحفة الأطفال




الإسناد إلى متن تحفة الأطفال

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد ..

يقول الفقير إلى عفو الله وغفرانه أبو حامد عبد الرؤوف بن مبارك المالكي الأزهري: قد سألني بعض طلبة العلم عن إسناد متصل محقق غير مظنون لمتن تحفة الأطفال في فن التجويد من نظم الشيخ العلامة سليمان الجمزوري الذي أوله:

يقول راجي رحمة الغفور ** دوما سليمان هو الجمزوري

الجواب :

اعلم أن هذه المنظومة المباركة لها شهرة كبيرة، وقد رزقت القبول مذ ألفها مؤلفها، ويشهد لذلك ما قاله ناسخها وناسخ شرحها الشيخ محمد بن سلامة بن عبد الخالق بن حسن الجمل الحياني بلدة الشرقاوي نسبة الرشيدي منزلا وعملا الشافعي القادري الشهير بالواعظ وهذه حروفه:

((منذ صباي لم أزل حريصا على الاستفادة راغبا في الإفادة ثم الآن كتبت هذا الشرح على متن تحفة الأطفال لكونها من محفوظاتنا في الصبا، ولأن لها وقعا في قلوبنا، لا سيما بشرحها للشيخ الإمام العالم المدقق مولانا الشيخ محمد الميهي الأحمدي تغمده الله برحمته، فكانت لنا أول محبوب كما قيل:

كم منزل في الأرض يألفه الفتى ** وحنينه أبدا لأول منزل .. )) إلخ

كتب الشيخ هذا متغزلا في المنظومة وهو من أهل رشيد في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، الدال على أن المنظومة أصبحت من المحفوظات المقررة على الأطفال في كتاتيب مصر.

ولهذا ازدادت رغبة طلبة العلم في كل وقت في الاتصال بها والعثور على سند محقق بروايتها بعيد عن مظنة الانقطاع أو الخلل في العرض والسماع، ولذلك ذكرت هنا طريقين محققين للاتصال بها:

أولا : يجوز أن تروى هذه المنظومة على التحقيق من طريق الشيخ الإمام الشهير علي بن عمر الميهي ثم الطنتدائي (الطنطاوي) الشافعي الخلوتي الأحمدي الأزهري البصير إمام القراءات في عصره المتوفى سنة 1204هـ.

 وهو عن تلميذه ناظمها الجمزوري، لأن العلامة سليمان الجمزوري لما نظمها عرضها على شيخه علي الميهي فاستحسنها الشيخ علي وسماها تحفة الأطفال، فالشيخ علي الميهي:

  •        هو مصدر الأحكام المذكورة في هذه المنظومة.
  •        وصح له سماع هذه المنظومة من ناظمها.
  •        وهو الذي سماها باسمها المشهور تحفة الأطفال.

ولا يخفى أن العرض والسماع أقوى وجوه التلقي المقررة في علم مصطلح الحديث، والأسانيد إلى الشيخ علي الميهي مشهورة، فهو عمدة من عمد أسانيد القرآن الكريم في غربية مصر والعالم الإسلامي، والسند إليه معروف لدى جميع المشتغلين بأسانيد القرآن الكريم.

 

ثانيا : يصح أن تروى هذه المنظومة على التحقيق من طريق العلامة السيد محمد بن أحمد بن يوسف بن مجاهد الحسيني المصري الطنتدائي الشافعي الشاذلي الأحمدي المتوفى سنة 1253هـ، وهو عن شيخه سليمان الجمزوري.

وبيان ذلك أن العلامة الجمزوري كان أول اشتغاله في الجامع الأحمدي بطنتدا بتدريس كتب الفقه الشافعي واللغة العربية، ولم يكن عالما بالتجويد والقراءات، حتى أمره شيخ الجامع الأحمدي السيد أبو النجا أحمد بن يوسف مجاهد بتحفيظ ولديه – أحمد ومحمد - القرآن وتعليمهما التجويد، كان ذلك أواخر القرن الثاني عشر الهجري، فامتثل العلامة الجمزوري لأمره من ذلك الوقت وشرع في تلقي التجويد على الشيخ علي الميهي، ثم نظم منظومته المذكورة من أجل الولدين المذكورين، وهما المقصودان بقوله في منظومته: (الأطفال)، فتلقاها السيدان المذكوران عنه، ثم إن السيدين المذكورين صارا ابتداء من القرن الثالث عشر من أعلام طنتدا والجامع الأحمدي وأخذ عنهما الطلبة، لا سيما العلامة السيد محمد فإنه اشتغل بالتدريس بالجامع الأحمدي أكثر من نصف قرن من الزمان، وتخرج به طبقات من العلماء، وكان من الآخذين عنه المجازين منه على العموم:

العلامة محمد بن مصطفى بن يوسف بن علي أبو النجا المصري الشنواني الشهير بالطنطاوي ثم الدمشقي الشافعي الأحمدي الأزهري المتوفى بدمشق سنة 1306هــ.

وترجمته مشهورة في حلية البشر وغيرها، والأسانيد إليه متشعبة ومعروفة، ومن ذلك ما:

أنبأني أبو الإرشاد محمد مرشد بن أبي الخير عابدين (1428هـ) عن أبيه (1344هـ) عن العلامة محمد بن مصطفى الشنواني الطنطاوي الدمشقي (1306هـ) عن العلامة السيد محمد بن أحمد بن يوسف مجاهد (1253هـ) عن العلامة سليمان بن حسين بن محمد بن شلبي الجمزوري – أبوه - الطنتدائي الشافعي الأحمدي الشاذلي الشهير بالأفندي (1227هـ) بمنظومته تحفة الأطفال وغيرها.

وهذا الإسناد محقق الاتصال بالإجازات الشاملة لكل مروي، وهو أعلى من الأول من جهة العدد، فهذا ما أحببت ذكره على وجه الاختصار إجابة لسؤال بعض الأحبة من طلبة العلم، وقد اتسعت في ترجمة المجاهديين وتلاميذهم في كتابي "رائد النهضة الأحمدية" وكتابي "الأعلام الأحمدية" يسر الله تمامهما، والله ولي التوفيق.

 

وكتبه أبو حامد المالكي الأزهري

عبد الرؤوف بن مبارك بن جمعة

5 شعبان 1443هـ

الأحد، 16 ديسمبر 2018

إياك أعني واسمعي يا جارة (رسالة إلى سعادة وزير الأوقاف الكويتي)


إياك أعني
واسمعي يا جارة
(رسالة إلى سعادة وزير الأوقاف الكويتي الموقر)





الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه واتبع رشده .. وبعد

فإنه يتكرر من آن إلى آخر أن تعمد إدارة رسمية في بعض الدول والممالك الإسلامية ـ مهما كان مسماها ـ إلى منع خطيب أو إمام أو واعظ من عمله، ويكون السبب الذي تبديه تلك الجهة الرسمية أن الخطيب خالف قانونها أو لوائحها، كذا دون تفصيل، وقد تفصل شيئا ما فتزعم أن الخطيب أحل حراما أو حرم حلالا أو خالف العقيدة الصحيحة، أو غلا أو نحو ذلك .. ويكون من البيّن الواضح لعامة الناس أن المذهب الاعتقادي أو الفقهي الذي تتبعه تلك الإدارة الرسمية لا يتفق مع المذهب الاعتقادي أو الفقهي الذي يقول به الخطيب .. ثم يجهر الناس بالشكوى والهذر الكثير في ذلك ما بين مؤيد للإدارة الرسمية أو رافض لقرارها حتى تكاد أن تكون فتنة، دون أن تعي تلك الإدارة الرسمية وأولئك الخائضون معا الموقف الشرعي الصحيح في مثل هذه الحوادث، ودون أن يعرفوا مكمن الداء وسبب هذا البلاء.

وإذ تجدد الآن مثل هذه الحادثة في الكويت حماها الله وسلمها وأهلها ـ والعهدة على وسائل التواصل والإعلام ـ بمنع خطيب جامع هشام بن عامر من الخطابة، ثم ضجيج وسائل التواصل ثم تدخل وزير الأوقاف بتجميد ذلك القرار .. إلخ



فإذ جد ذلك الآن ـ على ما وصفنا مما نقله الناقلون ـ فإني رأيت أن أجدد القول شرعا في هذه المسألة  ـ وسبق لي أن تعرضت لها كما سيأتي ـ لعل الله أن ينفع به من اطلع عليه فيكون بذلك خيرٌ للمسلمين، فأقول مستعينا بالله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم :

اعلم ـ فقهك الله في دينه ـ أن أهل الكتاب كانوا يقتتلون ويتناحرون ـ قبل الإسلام ـ ولا يطيقون الإقامة معا في بلد واحد، بل لا يزالون في عداء شديد، حتى إذا كانت الغلبة لطائفة منهم طغت على الأخرى وفتكت بها فاستباحتها وهدمت دور عبادتها ..

حتى جاء الإسلام فكفَّ بعضَهم عن بعض وعاش اليهود والنصارى لأول مرة في التاريخ جنبا إلى جنب مع المسلمين وإن اعتقدت كل طائفة منهم كفر الأخرى، هنا معبد للنصارى، وهناك معبد لليهود، وبينهما مسجد للمسلمين .. (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي).

لقد قرر الفقه الإسلامي أن معابد النصارى ـ التي أقرها الفتح الإسلامي ـ هي أوقاف نصرانية أنشأها النصارى بأموالهم فهم يديرونها بأنفسهم لا يدخل المسلمون في شؤونها ـ وإن كان النصارى على باطل من الفعل والقول فيها ـ وكذلك معابد اليهود ..

مسجد سيدنا عمر بن الخطاب 
بجوار كنيسة القيامة

ولا يدخل المسلمون في شؤونها إلا أن توجب الضرورة الدخول كأن تدب بينهم فتنة وطفق بعضهم يعتدي على بعض فيحول المسلمون بينهم ويعيدوا الأمور إلى نصابها .. وها هي معابد أهل الكتاب في بلاد الإسلام قائمة منذ مئات السنين (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ..)

فإن كانت هذه سنة الإسلام في أهل الكتاب فكيف الظن بسنة الإسلام في أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله؟

لقد قرر الفقه الإسلامي بإجماع منذ فجر الإسلام أن الأحباس الإسلامية (الأوقاف) لها حرمة المال الخاص والملك الخاص، لأن الناس تبرعت بأموالها لغرض معين مشروع، فلا يمنعون منه ولا يسلب منهم، فتقر في أيدي أصحابها لا تُنزع منهم ولا تستبدل ولا تغير ولا يدخل فيها من ليس من أهلها، ولا يجوز العبث بخصائصها ولا يتعدى ما شرطه أصحابها فيها، ولا يحاد عما جرى عمل منشئها وبانيها فيها، سواء كانت مساجد أو مدارس أو آبار أو مستشفيات أو بساتين .. إلخ 

فتظل كما أراد صاحبها في حياته وبعد مماته، وأهلها مسؤولون عن مرمتها وإصلاحها وتعاهد شؤونها، ولا يعبث بها إلا فاسق.

وعلى هذا جرى عمل سائر الفقهاء في الأحباس (الأوقاف) فترى غالبا أوقاف المذهب المالكي يديرها المالكية وأوقاف الحنفية يديرها الحنفية وأوقاف الشافعية يديرها الشافعية وهكذا أوقاف الحنابلة والزيدية والشيعة والإباضية كل يدير أوقافه بنفسه كما يقرره فقه مذهبه، وإذا ولي فقيه أو قاض نظارة وقف معين لغير أهل مذهبه سار فيه بحسب شرط الواقف ومذهبه وإن كان الناظر نفسه على مذهب آخر.

وقد اعتبر الفقه الإسلامي المخالفة بالتصرف والعبث في هذه الأحباس (الأوقاف) بأي نوع من أنواع التصرف الخارجة عن مقصود المُحَبِّس (الواقف) اعتبره الفقه الإسلامي فسقا وضلالة.

وقد حافظ هذا النظام الإسلامي على اللحمة الوطنية والألفة الدينية والترابط الجمعي إذ كان كل قوم آمنين في أوقافهم مطمئنين فيها وعليها .. ولولا هذا النظام لشاعت الفتن وتباغض الناس وفشت بينهم العداوات واقتتلوا فيما بينهم، وتربص بعضهم ببعض الدوائر .. وقد حفل الفقه الإسلامي بنصوص هذه المسألة، وامتلأت صفحات التاريخ بهذا النجاح، فمن حافظ على الوقف مدحوه، ومن أخل به ذموه وسجلوا ذلك في صفحات التاريخ.

وفي الأزمان المتأخرة اختل العمل بالشريعة الغراء في إدارة البلاد الإسلامية، وفشا الضعف في كل شؤون المسلمين ومنها الأحباس (الأوقاف) فترى الحكومات الإسلامية من بعد أن كانت قديما توكل ذلك لقضاة كل مذهب وفقهائه أصبحت الآن تعين ناظرا للأحباس (الأوقاف) من الحزب الموالي أو الفئة السياسية المؤثرة والثقيلة أو من القرابة أو ذوي المال والجاه، وإن كان هذا المعيَّن أجهل خلق الله تعالى بالفقه الإسلامي عامة وبفقه (إدارة الوقف) خاصة، لا يراعون في ذلك ما أوجبه الشرع الحنيف، فلا عجب أن تُرتكب المحرمات والموبقات في حق هذه الأحباس (الأوقاف) .. حتى أن بعض هذه الأحباس التي حبَّسها أهلها قديما على طاعة الله تعالى صارت إلى محالّ لمعاقرة الخمور وأنواع الفسق بسبب جهل نظار الأوقاف ..

ومن هذا الباب في الزمن القريب ما جرى ويجري في بعض دول الخليج العربي خاصة، من تولية أتباع الدعوة النجدية (الوهابيين) ـ المنتسبين للسلفية ـ مقاليد الشؤون الدينية لأوقاف غير مذهبهم من الجمهور: السادة المالكية والشافعية والحنابلة، مع ما بين الطائفتين (الوهابيين والجمهور) من الاختلاف والتباين في العقائد والفقه، بل تعدى ذلك إلى إطلاق أيديهم في مساجد الجمهور وخطبائهم وأئمتهم يولون ويعزلون ويتصرفون فيها بناء على ما تقرره وتعتمده اجتهاداتهم النجدية الخاصة أو ما تراه المرجعية الدينية في نجد ! لا على المعتمد لدى علماء المذاهب المعتبرة المذكورة.

فانظر واعجب كيف سَلِمَت أوقاف اليهود والنصارى وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى إذ بقيت في أيديهم، ونَجَت أوقاف المسلمين الشيعة فلا سلطان لسني عليها .. ولكن لم تسلم أوقاف الجمهور من تسلط غيرهم عليها !

ولا ريب أن هذه صورة من أوضح صور العبث بالأحباس (الأوقاف) الإسلامية، والانحراف الجلي عن الفقه الإسلامي الموجب لفسق فاعله لارتكابه كبيرة من الكبائر .. وكيف لا يكون فاسقا من يأكل أموال الناس بالباطل ويشيع بينهم العداوة والبغضاء ويسلط بعضهم على بعض كأنه شيطان رجيم؟

وفي أدب اللغة المعاصرة يدعى مثل هذا المسلك من تسليط أو تسلط فئة على أخرى يدعى بالاضطهاد الديني أو المذهبي أو الطائفي .. وتجرمه وتحاربه أكثر الأمم المتحضرة ..

وما واقعة الكويت إلا مثال صارخ على ما وصفنا من إهمال قوانين الفقه الإسلامي في شؤون الأحباس (الأوقاف) حيث أوكلت شؤون المالكية أو الشافعية أو الحنابلة إلى قوم يختلفون مع مذاهب الجمهور عقيدة وفقها، وربما انتسبوا إلى الحنبلية نسبة لا يصدقها الواقع العلمي للحنابلة، فإنهم ربما يحكمون في مسألة ما بأنها شرك أوبدعة، ثم يكيدون لشيوخ المذاهب الأخرى فيعملون على تصفيتهم من المنابر والمساجد تحت سمع وبصر ولاة الأمر، كما حصل عندنا ولا يزال.

الكويت بالذات التي أتحفت العالم الإسلامي بالموسوعة الفقهية التي لم ينسج على منوالها في جمع وترتيب المذاهب الإسلامية المعتبرة لا يليق بها البتة أن تسلم شؤونها الدينية إلى فئة لا تؤمن بالمذاهب الفقهية، ولا فقه عندها إلا ما عرف في نجد وضواحيها، فإن هذه الفئة يليق بها أن تدير أوقاف الدعوة النجدية فقط لا سواها.

كان الواجب إذا بدر من عاملِ وقفٍ معينٍ ما يشكل من قول أو فعل ـ  خطيب أو غيره ـ كان الواجب أن ينظر في مذهب الوقف، فإن كان له مذهب معين تحال مسألته إلى علماء ذلك المذهب فإن كان مالكيا تحال لفقهاء المالكية وإن كان شافعيا فكذلك وإن كان شيعيا فكذلك وإن كان وهابيا فكذلك فلا يستفتى شافعي في شأن وقف شيعي ولا يستفتى وهابي في شأن وقف زيدي وهكذا .. ولكن يستفتى أهل المذهب نفسه في وقفهم، فكل مذهب أحق بوقفهم وما بذلوا فيه أموالهم هم وآباؤهم ..

وإن لم يكن للوقف مذهب معروف تحال المسألة إلى علماء المذاهب المعتبرة (لجنة حقيقية لا صورية) فإن أجمعوا على غلطه خُيِّر بين الأوبة أو العزل، وإن اختلفوا ولم يجمعوا فلا سبيل إلى عزل ذلك العامل.

وأقول هنا بوجه خاص إن كان الشيخ الكندري خطب بمثل هذا الكلام ـ المنشور ـ في وقف وهابي فعزله عنهم من حقهم، لأنهم يعتقدون مثل هذا الكلام (وقصيدة البوصيري) غلوا، ويحول الشيخ لوقف غير وهابي من أوقاف المذاهب الأربعة.



وأما إن كان الشيخ خطب بهذا في وقف من أوقاف المذاهب الأربعة أو غير تابع لمذهب معين فلا سبيل إلى منعه أو عزله لأن ما خطب به لا يعد غلوا لا عند المذاهب الأربعة ولا غيرها خلا المذهب الوهابي، وينحل الإشكال.

هذا كله إذا أحسنا الظن وتأولنا ما اقترفه النافذون العابثون بالأحباس على أنه جهل منهم وتجرد عن الفهم والفقه غير مقصود.

وأما إن كان الأمر قد جاوز الجهل بالفقه إلى القصد والتعمد والتخطيط مكرا وخداعا واستغلالا لمسائل الخلاف  لإذكاء الفتن والتفرقة بين المسلمين وإغراء بعضهم ببعض فتلك مصيبة عظيمة، ولا يدفع هذا الاحتمال إلا حسن الظن المندوب إليه شرعا.

وفي أفراد بعض الطوائف الإسلامية سذاجة وغباء تبعثهم على الفرح والسرور بمثل هذه الأدوار الشيطانية، فيقبلون القيام بها بجهل وقلة فقه غير عابئين بمغبتها.

نسأل الله تعالى مخلصين أن يوفق ولاة أمور المسلمين عامة إلى إدارة إسلامية فقهية صحيحة، بعيدة عن خبث السياسة وبريق المال، وأن يوفق وزير الأوقاف الكويتي خاصة إلى سديد القول والعمل وأن يبصره بالحق، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، والحمد لله رب العالمين.

اقرأ كذلك إن شئت مقالات متعلقة بالوقف :