الأحد، 31 يناير 2016

حرية التعبير المنفلتة لا يقرها الإسلام




سؤال : .. أين مساهمتكم في موضوع التخاذل النيابي وإسقاط الاستجواب؟ وما تقييمكم لمسألة رفع النواب قضايا على المواطنين؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد ..

لا يمكنني الإجابة على هذا السؤال قبل التمهيد له بمقدمة، هذه هي :

لقد ابتلي المسلمون في كل مكان اليوم بأنظمة وقوانين جديدة عالمية، فرضتها القوى العالمية الكبرى على الضعفاء في العالم، أو هي تكاد تفرضها، أو تزينها وتعيب المعرضين عنها .. والمسلمون بسبب تفرقهم وتشتت أهوائهم فشلوا وذهبت ريحهم، فخضعوا للأجنبي خوفا وخورا، وتركوا الإعداد والتزود من أسباب القوة المستطاع الذي أمرهم الله به ليرهبوا به عدوهم فلا يستضعفهم فيفرض عليهم ما لا يحبون، فأضحوا اليوم وحالهم كما ترى .. وتسلط عليهم من جعل تلك القوانين دينه وقرآنه وسنته، فبها يزن كل أموره ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..

والواجب الشرعي والعرفي والعقلي والقومي والوطني .. يحتم على المسلمين أن ينهضوا بأنفسهم بكل الوسائل الممكنة التي تعيد لهم عزتهم وترهب عدوهم فلا يستضعفهم ويجبرهم على ما يكرهون، وإلى ذلك الحين فلا يكون الأخذ بهذه الأنظمة والقوانين الوضعية المباينة لشرع الله تعالى إلا من باب الضرورة التي تقدر بقدرها، فلا يتناول منها إلا كما يتناول المضطر الميتة والخمر، يدفع بذلك عن نفسه الهلاك والتلف .

وأما تلك الأنظمة التي لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية فلا بأس في الاستفادة منها ولا ضير وليس حديثنا هنا عنها ..
إلا أن بعض المسلمين في أخذهم بتلك الأنظمة الغربية يأخذونها أخذ عشواء، ويحملونها فوق رؤوسهم جملة وتفصيلا دون تمييز لما فيها من طيب أو خبيث، وينطقون بكلمات أورثهم إياها الغرب يحتاجون بعد إلى تأويلها كقولهم : (الشعب مصدر السلطات) ! فإذا قيل لهم : فأين الإسلام ؟ وأين كتاب الله وسنة رسوله وقواعد الدين ؟ طفقوا يتأولون هذا القول تأولات شتى، وكانوا في غنى عن ذلك أصلا لولا أخذهم بما لقنهم به الغربي جملة أخذ حاطب ليل، وليس كذلك شأن المسلم.

فإذا عرفت ذلك أيها المستفهم فاعلم أن من جملة ما يجيء مع هذه الأنظمة الغربية ما يكون محرما في شرعنا، ومن ذلك ما يسمونه بـ (حرية التعبير) أو (الحرية الإعلامية) أو (حرية الرأي) وهي كلمات لا غبار على ظاهرها إذا فُهِمت مقيدة، وإنما تقع الطامة في إطلاقها بلا قيد ولا حد، فإن الغرب غالبا ما يتوسعون فيها ويغلون غلوا كبيرا حتى لا يُسأل أي كاتب أو صحفي عن سب ولا قذف ولا سخرية، ولا يمتنعون من الخوض في الأعراض والكذب والبهتان والإشاعة والغيبة والنميمة، ويجعلون حجتهم تلك الحرية.

والإسلام حرم ذلك كله ونهى عن سيء الأخلاق .. فإن كان المسلمون قد ابتُلوا بالأنظمة الديمقراطية فليأخذوا منها ما ينفعهم لا ما يضرهم ويخرجهم من دينهم أو يورثهم كبائر الذنوب والآثام والمعاصي، بل ويزيد شتاتهم وفرقتهم وتشاحنهم ويورثهم العداوة والبغضاء.

والناس عندما يختارون من ينوب عنهم ويمثلهم أمام السلطان إنما يختارون الكفء الصادق الأمين، وينتقون الحصيف اللبيب، فإذا ائتمنوه أول الأمر، كان ذلك تزكية له وحكما بصدقه وأمانته الظاهرة، فلا يحل لهم أن يخونوه بعد ويكذبوه بلا بينة ولا برهان، ولا يحل لهم إذا هو رأى رأيا غير ما يشتهون ويرون أن يبادروا إلى إساءة الظن فيه فضلا عن سبه والسخرية منه .. ويقبح ذلك جدا إن بدا من قوم ينتسبون إلى الإسلام لفظا وينتمون إلى مؤسسات دينية، فإن مثل ذلك وإن جاز في الأنظمة الديمقراطية الغربية فلا يحل في دين الله، فيا من جعلتم الديمقراطية دينكم عودوا إلى الحق وذروا ما خالف الكتاب والسنة.

ثم أليس هؤلاء النواب أنتم من انتخبهم واختارهم؟ فكيف تخونون من ائتمنتموه بأنفسكم وسميتموه الصادق الأمين ؟! (يدك أوكتا وفوك نفخ) .. وهب أنكم لم تختاروه بل اختاره غيركم من إخوانكم من المسلمين فَلِمَ تسيؤون الظن بغيركم من المسلمين أنهم اختاروا الكذوب الغدار؟!

على أن هؤلاء النواب في كثير من بلاد الإسلام ـ كما هو الحال عندنا ـ ليس لهم كبير شأن، وهم إلى مسمى المستشار أقرب، وهؤلاء لا يكون لهم من الأمر شيء وإنما الأمر كله بيد السلطان، والديمقراطية المدعاة لا حقيقة لها في باطن الأمر ـ إلا اللمم ـ وإنما هي صورة وتمثال، وهاهم النواب والمنتخبون في أكثر بلاد الإسلام لم يقدروا على إحياء حدٍّ واحد من حدود الله على مر العقود والعقود .. فإن كان الحال كذلك، وكان معلوما معروفا أنه كذلك فإن صب جام الغضب على هؤلاء المستشارين دون المستشير لا يتفق مع الواقع والعقل، وإن هم أساؤوا إساءة ظاهرة فاللوم لا يقع عليهم دون من اختارهم نوابا، ودون من قطع ألسنتهم وغل أيديهم، وكيف يخصهم من يخصهم باللوم وهو يعلم أنهم لا ناقة لهم ولا جمل ؟! وأن الأمر كله بيد السلطان؟! ثم إن بعض اللوم والتقريع إن جاز فلا يكون بالسب والقذف والسخرية التي حرمها الإسلام، بل بالنصح والإرشاد، وإن كان ولا بد فليعترف المنتخبون بخطأ اختيارهم ثم ليدعوا الناس إلى ترك اختيار هذا النائب المتخاذل مرة أخرى لعدم صلاحه، وليهجروه كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم من تخلف عن الجهاد بلا عذر .. هذا إن علمت يقينا أنه لا يصلح وإلا فإنه جائز أن يكون قدَّر المصلحة في غير ما تراه، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه بعث عليا في بعض الشؤون فقال له علي : (يا رسول الله أكون كالسكة المحماة ؟ أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال رسول الله : بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب) فلعل بعض هؤلاء النواب قدر أن الضرر أكبر من النفع، وهذه الخمر والميسر قال الله تعالى فيهما : (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) صدق الله العظيم.

وزبدة القول أن النظام الديمقراطي فيه منافع للناس وفيه حيات وأفاعي وسم زعاف وكفر عظيم، وعلى المسلمين الذين ابتلوا بهذا النظام واضطروا إليه اضطرارا أن يميزوا الطيب من الخبيث منه، فلا يشربوه كله، وليس من الإسلام السب ولا السخرية والطنز، فإن كان ولا بد فاسخروا من أنفسكم واتخذوها طنزا كما فعلتم بهم فإنكم أو إخوانكم من اختارهم ..

وأما النواب الذي يعلمون من أنفسهم القدرة على نفع الناس ودفع الضر عنهم فلم يفعلوا ذلك ولم يستعملوا ما في أيديهم بل مالوا مع الدنيا أو مالوا مع ذي نفوذ بلا ضرورة ملجئة فهؤلاء قد خانوا الله ورسوله والمؤمنين، ومأواهم النار إلا أن يتوبوا فيتوب الله عليهم ..

وأما من علم من نفسه النصح والإخلاص ونوى منفعة المسلمين ودفع الضر عنهم فلم يمكنه ذلك بسبب قهر أو نحوه، أو قدر أن المصلحة في غير ذلك، فهذا لا حرج عليه فقد وفى ونصح، فإن ناله شيء من السب أو القذف ـ مع إخلاصه ونصحه  وحسن مقصده  وصلاح نيته ـ فله أن يرفع أمره إلى القضاء إن شاء، وأحسن من ذلك أن يصبر فلا يفعل ذلك إن استطاع خشية أن يجري التقاضي وباقي الأحكام على غير قانون الشريعة فيجيء الجزاء أكثر مما قدره الشرع أو دونه، والأولى والأقرب إلى البر أن يعفو ويصفح امتثالا لقوله تعالى : (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) صدق الله العظيم .. لا سيما وأن كثيرا ممن نال منه ليس مقصودهم إلا الحق والصدق فأخطأ الطريق، وجانبه الصواب في الإنكار، والله تعالى أعلم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق