مسجد الأزهر في مومباسا قبل 130 سنة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه
وبعد.
(مومباسا - مُمْباسا) مدينة قابعة في الساحل الشرقي من أفريقيا، في دولة كينيا، تكتنفها أثيوبيا والصومال شمالا، وتنزانيا جنوبا، كما ترى في الصورة.
زارتها بعثة أزهرية – قبل سنوات - فأخذهم الممباسيون لمشاهدة معالمها،
حتى وقفوهم على مسجد عتيق، فملكتهم الدهشة وهم يرمقون لوحةَ اسمِه مكتوبا فيها (مسجد الأزهر).
لم يظفر شيوخ البعثة من تاريخ هذا المسجد بشيء سوى ما ورثه الممباسيون عن آبائهم أن الذي أسس هذا المسجد رجل جاء من الأزهر!
ولا ملامة أن البعثة الأزهرية لما رجعت إلى مصر لم تجد ما تنشره عن هذا المسجد ومؤسسه أكثر مما ذكر.
فلهم عذر مقبول، هو أن التسجيل والتوثيق والتدوين من أعمال الجامعات العصرية، والأزهر لم يلبس حلة التجديد والتطوير إلا في عهد الشيخين المراغي والظواهري بين عامي 1927م = 1345هـ و 1930م = 1348هـ.
وهذا فيما اتصل بشؤون خاصته وداخلته، وأما شؤون الخارج – كالتي نحن فيها –
فقد تراخت العناية بها إلى أمد ليس بالقليل، فما بالك والتأسيس الذي يدكره الممباسيون أسن من
الجامعة الأزهرية !
وأثناء بحثي شأنا من الشؤون العلمية - لا تعلق له بممباسا - رمقت طرفا من
ذيل خبر (مسجد الأزهر) لكن لا يحسن جره إلا بتقديم ما لا غنى عنه من تاريخ الإسلام في كينيا،
ولن أطيله عليك.
دخل الإسلام إلى كينيا قديما، لكن حواضنه الساحلية كممباسا لم تنعم
بالأمن والاستقرار، إذ دهمها الغزو الصليبي البرتغالي المجرم – قتلا وحرقا وهدما وما
شئت - لعقود طويلة، حتى أجلاهم الأبطال العمانيون عنها، فحينئذ تنفس المسلمون بعض
الصعداء، قبل أن تنزل بهم نازلة الاحتلال البريطاني في القرن السادس عشر الميلادي وهم أظلم من الحية.
ولن أُتْرِحَك بكشفِ وبسطِ ما جناه المجرمون على ديار المسلمين
ودمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولكن حسبك أنهم جعلوا يد البعثات التبشيرية هي العليا
في شؤون البلاد – لا سيما التعليم – فما ظنك بالمسلمين بعد كل هذه القرون الساحقة
المحاقة !
أحد وجهاء الإنجليز وأثريائهم الذين ملكوا سعة في ممباسا – وأنت خبير
– وتعمل طائفة من المسلمين في مصالحه، واسمه: (مستر هستنج)، قام بما يستغرب من
مثله ! لقد سَفَرَ الرجل سفارة حسنة بين مسلمي ممباسا وقلعة الإسلام في مصر في شأن
يخدم الإسلام !
ولا أدري ما باعثه – وهو النصراني الجَلد – وبنو جنسه يحتلون البلاد ويُحكمون قبضها.
· أخَشِي على نفسه
وماله من المسلمين الذين تغلي صدورهم مما حل بهم فاصطنع لديهم معروفا يتألفهم به؟
· أم اعتقد تنصير
المسلمين - عزلا جهالا بدينهم - معركة لا نصفة فيها فألجأته شهامته إلى أن يعدل
الميل؟
· أتراه ندم على
جناية قومه على مسلمي كينيا ندما أورثه رقة حركته إلى أن يكفر عن ذنبه بما يرضيهم
عنه؟
· وليس بعزيز أن
سناً من الإيمان - وهو الرجل القارئ المطلع – قد نفذ إلى فؤاده فاستبطنه ولم يبده.
الله أعلم أي ذلك كان، وإني لأرجو له آخرها.
كانت خطة مستر هستنج - إجابة لطلب الممباسيين - أن يهبط مصر فيلقى قادة
المسلمين ليبلغهم حاجة ممباسا لعالم يبين لهم أمور دينهم.
وفي سنة 1318هـ، ومطلع القرن العشرين 1900م حل مستر هستنج مصر واتجه
إلى الأزهر الشريف.
وأَسْكُتُ الآن ليتحدث السيد رشيد رضا في مناره بتاريخ 16 ذي
القعدة سنة 1318هـ قائلا:
(من أيام جاء إلى محل الإفتاء في
الجامع الأزهر رجل إنكليزي اسمه المستر هستنج، وطلب مقابلة صاحب الفضيلة الأستاذ
الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، وعند مقابلته ابتدره بقوله:
"جئت
ثلاث مرات لمقابلة حضرتكم فلم أجدكم هنا وهذه الرابعة، والغرض أن أعرض لكم أن لي
أملاكًا في جهة ممباسة في أفريقية سكانها مسلمون؛ لكنهم لا يعرفون من دينهم إلا
قليلاً، ولما علموا برحلتي هذه إلى مصر طلبوا مني قبل السفر أن أحضر لهم عالمًا دينيًّا
يعلمهم أحكام دينهم.
قال:
ويمكنني أن أساعد من يسافر معي لهذه الغاية بأن أنقله على نفقـتي من ساحل زنجبار
إلى المحل الذي نقصده، وأتكفل هناك بنفقة أكله وأعطيه بيتًا يسكنه، وعليه أن ينفق
على نفسه من هنا إلى ساحل زنجبار، ولا بد له هناك من الإقامة زمنًا يتعلم فيه لغة
القوم ليتمكن من إرشادهم"
فعهد
إليه فضيلة المفتي أن يراجعه بعد أيام في ذلك.
وقد
وقع هذا الطلب على الأستاذ وقعًا شديدًا لعلمه بأن العلماء المتخرجين من الأزهر
يأبون الوظائف في بلاد السودان بالرواتب الكثيرة؛ ولأنه إذا لم يوجد في الأزهر -
وهو أكبر المدارس الإسلامية وأشهرها - من يسهل عليه أن يهاجر إلى الله تعالى لمجرد
الإرشاد ونشر الدين، فذاك أكبر عار على هذه المدرسة، بل على المسلمين كلهم الذين
نشر أسلافهم الدين في كل مكان، ثم هو الآن يضمحل ويتلاشى ولا يغار عليه أحد من علمائه
الذين لا عمل لهم إلا قراءة علومه، فرأى بعض الحاضرين أثر الحيرة في الأمر باديًا
على الأستاذ، فقال له : أنا أعرف رجلاً من النابغين في الأزهر المتصدرين لامتحان
التدريس أرجو أن يقبل الهجرة لهذه الخدمة الإسلامية، وهو الشيخ
محمود عزوز. وكان الأمر كذلك.
وفي
أثناء هذه المدة تقدم الشيخ محمود هذا للامتحان فنجح فيه، وأعطي درجة العالمية من
الدرجة الثالثة بالاستحقاق كما علمناه من المصدر الصحيح، وقد استحضره فضيلة المفتي
وذكَّره بسيرة سلف الأمة وكبار الأئمة رضي الله تعالى عنهم، وكيف كانوا يهاجرون
لأجل حديث واحد يتلقونه أو نشر للدين عند قوم يقبلونه، ودعاه إلى الرحلة لممباسة
ابتغاء وجه الله تعالى، وثقة بوعده، فلبى وأجاب، ثم عرض الأستاذ المفتي خبره على
ولي النعم مولانا الخديو المعظم ([1])
وذكر لسموه ما رآه من إخلاصه فسُرَّ حفظه الله سرورًا عظيمًا، وجادت مكارمه بمبلغ
من المال إعانة له على سعيه المشكور كما هو دأبه في تعضيد كل عمل ينفع الدين
والأمة، ويقال: إن المبلغ الذي أعطي له مائة جنيه ([2])
جزى الله تعالى سموه أفضل الجزاء.
ثم
إن فضيلة الأستاذ شيخ الجامع الأزهر([3])
أعطى لحضرة الشيخ محمود المذكور منشورًا يخاطب به مسلمي البلاد التي يهاجر إليها،
يوصيهم فيه بالثقة بحامل المنشور والاعتماد عليه في فهم الدين وتلقي أحكامه
الشريفة النافعة، وقد سافر بالفعل في ليلة الثلاثاء الماضية، وودعه في محطة مصر
كثيرون من إخوانه الأزهريين وغيرهم، وزوَّده أكابر شيوخه في الأزهر الشريف
بالدعوات الصالحة، وكان نسي أخذ إجازة السفر، فكتب صاحب السعادة محافظ العاصمة
رسالة برقية إلى محافظة السويس بالوصية به، وإعطائه باسبورت السفر، فنسأل الله
تعالى أن يُسَهِّل أمره، وينفع به، ويجعل رحلته فاتحة خير وقدوة صالحة للأزهريين،
فيوفقون للانتشار في الأرض لنشر الدين آمين)اهـ
الظاهر الجلي أن النجاح والتوفيق كانا حليفي الشيخ محمود عزوز، وبرهان ذلك:
· مسجده الذي
أسسه، فها هو ذا قائم يحمل اسمه الذي أسس عليه من أول يوم (مسجد الأزهر).
· وآية أخرى من
آيات الفلج والفلاح أن فضله لم يزل غضا في ذاكرة ممباسا، لا أبلاه تتايع الأزمنة،
ولا درسته عجلات الدهور.
لكن من هو الشيخ محمود عزوز؟
لقد أمضيت وقتا ليس بالقليل باحثا عن ترجمته في كتاب أو صحيفة، لكني
رجعت بخفي حنين.
ولما أذن الله تعالى لذكر هذا الشيخ أن يظهر ولسيرته أن تنشر وفقني
سبحانه إلى جمع شطر صالح منها بعد تفرق، أودعتها كتابي "الأعلام الأحمدية"
ولنجعل لها مقالا مستقلا آخر إن شاء الله.
هذا وبالله التوفيق، والحمد لله رب العالمين.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق