الأحد، 30 أغسطس 2026

لا عدالة إلا فيما شرعه الله تعالى


(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)

لا عدالة إلا فيما شرعه الله

 

أحمد الله الذي أرسل رسوله بالهدى وجعله رحمة للناس ونورا، وأعطاه شرعة قيمة تملأ قلوب المؤمنين بهجة وسرورا، فإليها يحتكم المؤمنون في جميع الشؤون، (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)

وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، البشير النذير، والسراج المنير، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه الذين علموا حدود ما أنزل الله على رسوله، فأتمروا بما أمر، وانتهوا عما نهى عنه وزجر، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد ..




لما رأيت بعض المسلمين فرحين بالأحكام القضائية الصادرة على بعض المائلين مع النظام السابق في سوريا، ولم أر من نبه على خطورة ذلك الفرح على عقيدة المسلم رأيت لزاما أن أبين ما يلي لينتفع به المسلمون في سوريا وغيرها إن شاء الله تعالى :

 

إنه لم تزل بلاد الإسلام تُحكم بالشريعة الإسلامية منذ فجر الإسلام وإلى آخر عهد الدولة العثمانية، وإن كانت الأحكام قد تختلف باختلاف مذاهب الدول والأقطار إلا أنها لم تخرج عن الفقه الإسلامي إلا نادرا، وكذلك كان الحال في سوريا.

وعندما أسقطت الخلافة العثمانية، وأطبق الغزو الصليبي على مفاصل بلاد الإسلام كان من أهدافه إلغاء العمل بالشريعة الإسلامية – وقد نجح في ذلك نجاحا كبيرا – حتى بعد رحيله عن تلك الدول.

كانت سوريا تُحكم بالشريعة الإسلامية، ولم يتغير ذلك أثناء السيطرة الفرنسية، واستمر ذلك إلى عهد الرئيس شكري القوتلي رحمه الله تعالى، وآخر قانون شرعي حُكم به في سوريا هو "مجلة الأحكام العدلية" والتي وُضعت في عهد الدولة العثمانية سنة 1286هـ على يد ثلة من كبار العلماء، أسست على المذهب الحنفي، وظل الحال كذلك إلى انقلاب الجبار المجنون حسني الزعيم ([1]) – كما يصفه الشيخ علي الطنطاوي - انقلابا كاملا استلب به السلطة من شكري القوتلي سنة 1949م.

قال الشيخ علي الطنطاوي - وكان قاضيا يومئذ – متحدثا عن مجلة الأحكام العدلية:

(كانت هي القانون المدني في الشام قبل أن يقوم حسني الزعيم بانقلابه المشؤوم وأن يستبدل بالمجلة المستنبطة من شريعة الله القانونَ المدني الذي وضعه عباد الله، لم يستندوا فيه إلى كتاب منزل ولا إلى سنة نبي مرسل)

قال أيضا: (ومرّت الأيام وجاء انقلاب حسني الزعيم فألغى قانون الجزاء العثماني الذي کنا نحکم به، وجاؤونا بقانون جدید مترجَم عن القوانين الأجنبية الوضعية، ولي مع هذا القانون شأن طويل، كتبت عنه وحوكمت أمام مجلس القضاء الأعلى وحكم علي بعقوبة ماليّة)

جزى الله الشيخ عليا الطنطاوي رحمه الله تعالى خير الجزاء، وأثابه على جهده وجهاده.

وعند البحث عن مصادر هذا القانون الوضعي الزعيمي نجد أنه استُمِد من القانون اللبناني، وهذا استمد من مصدرين :

المصدر الأول القانون الفرنسي: (مدونة نابليون بونابارت) ونابليون بونابارت هو قائد الحملة الفرنسية التي ذبحت أربعة آلاف جندي عثماني أسير في يافا، كما أنشأ المذابح الكثيرة أثناء حملته فقتل الآلاف في مصر والشام، واتخذ من الجامع الأزهر إصطبلا للخيول، وذبح عشرات الآلاف في أفريقيا وغيرها، وجرائمه كثيرة، ثم وضع قانونه هذا وجرى به العمل سنة 1804م.

المصدر الثاني القانون الإيطالي: وهو القانون المعروف بقانون (روكو) نسبة إلى (ألفريدو روكو) وزير العدل في حكومة الطاغية الشهير بنيتو موسوليني النازي الفاشي، ذابح الملايين وسفاح ليبيا، وضع قانونه هذا سنة 1930م وفي عهده أعدم المجاهد عمر المختار بتهمة الخيانة لبلاده !! سنة 1931م.

كان حسني الزعيم يتطلع إلى أن يكون مثل نابليون أو هتلر وأولئك الطغاة، ويتحدث عن سورية الكبرى، وتعاون عمليا مع الفاشيين والنازيين، وقد تم له ما أراد في سوريا بضعة أشهر ثم انقلبوا عليه وأعدموه.

إذن هذا القانون – قانون حسني الزعيم – لا علاقة له بالإسلام ولا بنبي الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولا بالشريعة الإسلامية، ولا حتى بالشعب العربي السوري الحر، وإنما هو كسائر القوانين التي ينتقيها الجبابرة لأنفسهم ومصالحهم ثم يقولون (باسم الشعب) والشعب بريء منها.

ثم إن هذه القوانين صارت سلاحا للمنتصر من المتنازعين يستعمله المنتصر ليفتك بأخيه المغلوب فيتهمه بالخيانة وما شاء من التهم ثم يعدمه أو يعذبه أو يسجنه أمدا بعيدا، وهي نفسها القوانين التي يستعملها مغلوب الأمس إذا عاد فانتصر في الفتك بمن هو مغلوب اليوم ومنتصر الأمس !

وهذه المصيبة لم تك في سوريا وحدها بل عمت أغلب بلاد المسلمين ينتقم بعضهم من بعض ويعذب بعضهم بعضا ويظلم بعضهم بعضا بهذه القوانين الجاهلية، دافعهم الانتقام والتشفي، والتخلص من الخصم.

ظل هذا القانون الوضعي كما هو من عهد حسني الزعيم إلى اليوم لم يتغير في بلد أكثره من المسلمين.

وبعد الثورة الأخيرة في سوريا وسقوط حكم الأسد، وفي هذه الفترة الانتقالية التي يمسك بزمامها رجال ظاهرهم الغيرة على الشريعة الإسلامية، هاهو ذا القانون نفسه يحاكم به الناس !!

وكنت أظن لما رأيت رجال الثورة ظاهرهم الدين والالتزام أنهم حريصون على تحكيم عدالة الإسلام وأحكام الشريعة الإسلامية لا أن يعودوا إلى القوانين الوضعية ولو في الحكم على نفس واحدة، فلا أدري ما عذرهم في هذا.

لكن الذي أدريه أنه لا يسوغ لمسلم صادق أن يحكم أو يفرح بحكم مخالف لحكم الشريعة الإسلامية، قال تعالى ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ صدق الله العظيم.

إن الله تعالى قد نفى الإيمان عن من لم يُحَكّم الله ورسوله، أو عرف حكم الله ورسوله ثم لم يرض به ويستسلم له، قال سبحانه ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ صدق الله العظيم.

وإياك أن تظن أيها المسلم أن هذه الأحكام الوضعية قد تصير مشروعة إذا صادفت الأحكام الشرعية، لأن الأحكام الوضعية لم تؤسس ابتداء ولم تبن أصلا على طاعة الله ورسوله واتباع شريعته، وما كان الواضع ملتفتا إليهما، وما يصادف الحق اتفاقا لا يصير حقا ولا يفرح به.

 

فإن سألت عما يخالف الشريعة في هذا القانون وتلك المحاكمات:

فالجواب: هذه المسألة (اقتتال طائفتين مسلمتين) حكمها في الشريعة الإسلامية ليس من باب الجرائم الفردية، فليست كمن قتل إنسانا ظلما فيقتل به، كما يظنه كثير من العامة، وليست من باب الحرابة وهم قطاع الطرق اللصوص الذين يعترضون الناس في الفلوات يقتلونهم ليأخذوا أموالهم، كما يظنه بعض المتنطعين، بل هي من باب شهير معروف في الفقه الإسلامي سماه الفقهاء (باب البغي) وربما سمي (باب الفتنة) وهو خاص بالاقتتال الذي يكون بين المسلمين، وينشأ بين طائفتين، كل طائفة لها دعوى وشبهة في مقاتلة الأخرى، وقد بسطت هذه المسألة في مقالة قديمة كتبتها سنة 2011 بمناسبة ما جرى في بلادنا، بعنوان:

(رد السنة والشيعة إلى سماحة أحكام الشريعة)


ثم أكدتها وأيدتها بمناسبة ما جرى في مصر في مقال:

(التحية لمفتي الديار المصرية)


ونبهت إليها في مقالات متعددة، وهذا هو المقال الثالث الآن في هذه المسألة، وهي من المسائل الخطيرة المستبدلة في القوانين الوضعية بقانون نابيلون وموسوليني والطغاة الجبابرة شهوة منهم للانتقام وتشفيا من الخصم.

والأصل الأصيل في هذا الباب قوله تعالى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ صدق الله العظيم.

ولا أعلم خلافا بين الفقهاء أنه إذا اقتتلت طائفتان أو أكثر من المسلمين أن الواجب عليهم هو إيقاف هذا الاقتتال وإنشاء الصلح بينهم، وبذل كل ممكن مشروع لتيسير الصلح، لا حكم آخر في هذه المسألة، وأن إحدى الطائفتين إذا انتصرت وغلبت لم يحل لها من الطائفة الأخرى المغلوبة دم ولا عرض ولا مال، ولا غنائم، ولا سبي، ولا يشرع إعدام ولا سجن – إلا أن يسجن الشديد الذي يخشى منه قليلا ريثما تهدأ الفتنة - ولا محاكمات ولا مصادرة أموال ولا مطالبات – إلا من سلب مال أخيه يظنه غنيمة فإنه لا يحل له - وذلك تيسيرا للصلح.

وقد حدث مثل هذا الاقتتال قديما بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وبين أصحاب الجمل وصفين – وكل له تأويله - فلم يسلك أي طرف مع الآخر غير ما ذكرت من الرحمة .. وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو يقاتل الفئة الأخرى حافظا لأموالهم وزروعهم التي في ناحيته من النهب فأمر بتحصيلها ووضعها في بيت مال المسلمين بأسماء أصحابها الذين كانوا يقاتلونه، وبعد الحرب سلمهم تلك الحقوق كاملة.  

فأين هذا ممن إذا وقع في يده أخوه المسلم ذبحه ذبح الشاة أو أعدمه الحياة أو عذبه أو سجنه سجنا لا يخرج منه ثم مع هذا يأخذ أمواله !! هل هذه إلا خلال الجاهلية.

وكثير من الناس يطالبون في هذه الأحوال بالقصاص والإعدام والمحاكمات وذلك لجهلهم بحكم الشريعة الإسلامية في هذه المسألة، وظنهم أنها من باب القصاص ومن قتل يقتل ! ولو علموا بحكم الله ورسوله وشريعته في هذه المسألة لسكتوا وما طالبوا بغيرها، إلا أن يكون المطالب بضدها ليس من أهل الإسلام فليس الكلام معه.


فإن قيل إن بعض المحكومين كالمفتي السابق أفتى بكذا وكذا ..



فالجواب قد علم الله أن في كل طائفة من الطائفتين المقتتلتين المأمورتين بالصلح من يفتي بقتال الأخرى، وإلا لما اقتتلوا، ألم يكن عليٌّ رضوان الله عليه مفتيا بمشروعية قتال الطائفة الأخرى؟ ألم يكن معاوية ومن معه رضوان الله عليهم كذلك يفتون؟ وكيف يتصور وقوع قتال بين طرفين وليس فيهما من يفتي به؟ ومع هذا ما استثناهم الله تعالى من الرحمة ووجوب الصلح والعفو، وقد مرت الآية الكريمة فما استثنى فيها قائدا ولا مفتيا ولا قاضيا ولا مقاتلا ولا جاسوسا ولا معينا أو تابعا لهم من المسلمين أو أهل الكتاب.

 

فإن قيل إن هذا الحكم قد يشق على بعض الناس قبوله لما في قلوبهم من الغيظ ؟!

فالجواب لا خيار للمؤمن الصادق الإيمان إلا الرضا والتسليم لأمر الله، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ صدق الله العظيم.

ولا أشد على نفس الحرّ من أن يجد رجلا مع امرأته ثم يمهل حتى يجد أربعة شهود، ولهذا أَخَذَت الغيرة سعد بن عبادة رضي الله عنه فقال: (لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصَفِّح) فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني)

 قال العلامة الفقيه ابن عبد البر الأندلسي المالكي: (يريد - والله أعلم - أن الغيرة لا تبيح للغيور ما حرم عليه، وأنه يلزمه مع غيرته الانقياد لحكم الله ورسوله وأن لا يتعدى حدوده)

وهذا يقال في كل حال من غيرة وغيظ وغضب وحزن .. وكل حال، لا بد أن يضبط المسلم مشاعره وعواطفه وينقاد لله ورسوله ويكون هواه تبعا لذلك ويحتسب الأجر عند الله.

ثم إن كل طائفة لا بد قد أصابها ما أغاظها – على تفاوت - ولا يختص البلاء بطرف دون آخر، والصلح كفيل بعلاج ما علق بالنفوس، لأن في الصلح تطيبا للخواطر بسبل متعددة ووسائل كثيرة، ومنها القصاص من المتوحشين المجرمين كما سيأتي.

 

فإن قيل ما بال المفتي الحالي لم يوضح ذلك؟

فالجواب أن المفتي قد ذكر ذلك في بعض كلامه إجمالا، ونحن ذكرناه هنا تفصيلا، فقد أرشد إلى نبذ الفتنة وترك الانتقام، وهذا اختصار ما شرحناه لك، ولعلك لا تدري أن المفتي في القانون السوري الوضعي ليست له أي صلاحيات للتدخل في الأحكام القضائية، وقد ذكرنا سابقا أن الشيخ عليا الطنطاوي رحمة الله عليه القاضي الشرعي في أيام حسني الزعيم لما اعترض على القوانين التي أحدثها الزعيم حاكموه وأغرموه مالاً، فليس في يد المفتي الحالي في طوق القانون الوضعي أي صلاحيات.

 

فإن قيل ما الواجب إذن والحالة هذه؟

فالجواب أن المسلم إذا سمع هذه الأحكام الصادرة عن تلك القوانين لم يفرح بها ولو صادفت الحكم الشرعي – لِمَا شرحناه – أما إذا علم أنها مخالفة للشريعة وجب عليه استنكارها في نفسه، فيغضب في نفسه لله، وهذا أضعف الإيمان، فإن قدر على أكثر من هذا - بدون فتنة ولا أذى يلحق به ولا بغيره - وجب عليه كأن يمكنه أن يكتب مقالا أو يخطب خطبة وهو آمن على نفسه وماله، فإن قدر على أكثر كترشيح نائب يمكنه اقتراح تعديل القوانين، أو كان نائبا يمكنه ذلك وجب عليه، أو كان حاكما وجب عليه إنفاذ الشريعة، فكل يقدم ما استطاع (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) وهذا كله إن لم يترتب على ذلك منكر أعظم وإلا تعين السكوت.

 

خاتمة فيها فوائد:

·    رأينا بعض المتنطعين في هذه المسألة الفقهية يحاولون نقلها من بابها الفقهي الذي شرحناه وهو (باب البغي) وجرها إلى (باب الحرابة) المختص باللصوص وقطاع الطرق المجرمين، ورأينا آخرين يحومون بها حول (باب الردة) وهذا التنطع ليس من الفقه في شيء، وهو جهل عظيم بالفقه.

نعم يوجد في كل طائفة – على تفاوت - أفراد مجرمون ينتهزون فرصة الحرب وخلو المكان وغياب الرقيب لارتكاب الجرائم وهتك الأعراض وقتل النساء والأطفال والشيوخ وسفك الدماء البريئة التي لا ذنب لها ولا تشارك في القتال أصلا، ونهب الأموال وارتكاب الموبقات، يفعلون ذلك لهوا ولعبا واستهتارا لما هم عليه من الكفر أو الفسق، فهؤلاء ليس على ولاة الأمر المصطلحين من الطائفتين من حرج في نقلهم من هذا الباب إلى (باب القصاص) أو (باب الحرابة) بحسب ما أتوا من الجرائم وما ارتكبوا من الموبقات، بل إن القصاص من هؤلاء من أسباب تيسير الصلح بين الطائفتين، لكن لا يجوز أن تعمم هذه الصورة على كل أحد بحيث تخرج المسألة من بابها الأصيل الذي هو (باب البغي).

·    لا ريب أن إنفاذ الشريعة الإسلامية منوط بولاة الأمر فقط لا بأفراد الناس، فإن قصّر ولي الأمر فالإثم عليه، ولا حق لأفراد الناس في إنفاذ الأحكام، وإذا كان إنفاذ الشريعة منوطا بولاة الأمر فلا شك أن الواجب عليهم الاستعانة بالفقهاء الراسخين من المذاهب المعتبرة، لا بالمتنطعين من أهل الجهل والتعصب الذين لا يعرفون إلا القتل، فإنهم يذهبون برواء الشريعة وبهائها، ويكونون سببا في نفرة الناس منها.

·    لم نتناول في مقالنا هذا أشياء كثيرة ربما يتصور القارئ أن المقال أخل بها مما يشاع كمحاكمة المسلمين خاصة، وكانتقاء المفتي السابق للمحاكمة من بين المؤثرين في تأييد النظام السابق وهم رؤوس كثر، وكالعفو عن فئة دون فئة، لأننا لسنا بصدد الدفاع عن زيد أو عمرو وإنما لتحذير المسلم من الميل إلى غير ما شرعه الله، وللذب عن أحكام الشريعة الإسلامية وبيان محاسنها في مقابل القانون الوضعي، وللحث على تطبيقها والعمل بها.

·    في كثير من بلاد الإسلام تجد الناس يخوضون في فروع من المسائل ويتعصبون لها أو عليها في الوقت الذي تكون فيه بعض الأركان الإسلامية والإيمانية مضيعة أو تكاد تضيع ويحل محلها كبائر الإثم والفواحش، وهذا خلل عظيم في ترتيب الأولويات.

نسأل الله تعالى لبلاد الشام التمكين والأمن والأمان والاستقرار والعزة والمنعة، والعودة إلى أحكام شريعة الإسلام، وسائر بلاد المسلمين، والحمد لله رب العالمين.



([1]) ـ آل الزعيم بيت علم وفضل، لكن شذ منهم حسني هذا، فقد كان والده العلامة محمد رضا الزعيم مفتيا لحلب، وأخوه الأكبر صلاح الدين الزعيم علامة شهير وداعية كبير، وهو شيخ شيوخنا، روينا عن جماعة عنه، ومما يحسب لحسني الزعيم وقوفه ضد تمدد الحزب الشيوعي الاشتراكي في سوريا.

السبت، 22 أغسطس 2026

بمناسبة المولد النبوي الشريف (المقامة اليحيوية)

المقامة اليَحْيَوِيَّة




بسم الله الرحمن الرحيم

أحمد الله على جوده وإحسانه، وأشكره على مزيد عطائه وامتنانه، وأصلي على خير خلقه سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وإخوانه ..

وبعد ..

لما حللت مصر سنة 1410هـ اجتمعت في جامع سيدنا الحسين رضي الله عنه بأحد المعمرين من أهل اليمن، المقيمين في مصر منذ زمن، يدعى الحاج يحيى البُرَعي، فإذا به رجل أمي لا قرأ ولا كتب، ولا شعر ولا أدب، لكنه عابد مسجده، وسلم الناس من لسانه ويده، وهو ذو منزلة عند الناس لسنٍّ عال، وصلاح في ظاهر الحال، فقلت لعله أخذته سِنَة، فرأى رؤيا حسنة ! وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما قاله:

(إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو ترى له)

فلما سألته عن رؤيا يقصها علي أقبل، وأشرق وجهه وتهلل، وقال: رأيت المصطفى صلى الله عليه وسلم مرة في هذه الحَيَات، والله أعلم بما هو آت، فالتمست منه إروائي بالقِصة، وإساغة أشواق الغُصة فقال:

كان في محلتنا رجل ذو حرمة ووجاهة ووقار، أعطاه الله الولد والمال والعقار، وله قهوة هي مجتمع رجال الحي، ودويرة النشر والطي، وبيني وبينه المعرفة المعلنة، والصلة الحسنة، وشاع أنه يملك عقارا ذا بال – ولا يدري أنه وبال – إذ فيه شقة تسكنها عجوز، تزعم أن دعوى الوجيه لا تجوز، ويزعم الوجيه أنه مالك العقار كله، ويأمر العجوز بالإخلاء والنقلة، فلما أيس منها رفع الأمر للقضا، فلم يلبث الحكم أن انقضى، صادرا بأن الحق للوجيه واجب، وأن إخلاء الشقة لازب.

ثم إن الوجيه أقبل علينا مَرِحا، ودعانا إلى مأدبة فَرِحا، وعين للمأدبة يوما – وفي الوقت سعة – وأن الموعد بعد صلاة الجمعة، وأنا رأيت الرؤيا التي سأقصها عليك، ليلة الجمعة فخذها إليك.

رأيت أني متجه إلى جامع من هو على الرأس والعين، سيدنا أبي عبد الله الحسين - رضي الله عنه - إذ بلغني أن لجنة حج هذا العام، على عدة والتئام في صحن الإمام، وكان لي صديق تقدم للحج المفروض، ولا يدري أمقبول هو أم مرفوض، فتكفلت له بالسؤال، ومضيت إلى جامع سيد الرجال، فلما بلغته راعني منظر لا عهد لي به، إذ الناس مجتمعة والشُّرَط على بابه، فترددت في الاقتراب هيبة وريبة، فإذا أنا عند الباب بغتة غريبة، وأحد الشرط يقول لي ما سبب هذا الإقدام؟ فقلت أطلب لجنة حج هذا العام، وقد بلغني انعقادها هنا، فتجشمت لها العنا، فقال – وقد زال العجب - ادخل والزم الأدب!

فدخلت فإذا بالشرط في بَزٍّ غالية، ورتب عالية، يتوسطهم رجل فخيم، في مجلس نظيم، وبين يديه سِفر عظيم، فلما رآني وملأ مني عينيه – ولم أنبس بكلمة بين يديه – حول بصره إلى سفره فانبسط ولان، وقال لي جئت تسأل عن فلان بن فلان؟ فقلت نعم أيها السيد القمقام، فقال: هو حاجٌّ هذا العام ! ثم قال لي تقدم بلا لَجَب، والزم الأدب !

فتقدمت إلى جمع من الناس وشُرَط، ولا همس ولا لغط، كأنما أُخِذوا عن نفوسهم، أو الطير على رؤوسهم، وقوفا والأبصار مُشْمَعِلَّة، إلى باب في جدار القبلة، فسألت من بحذائي، عن العظيم الجائي، فهمس: صمتا والزم الآداب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مقبل من هذا الباب !! فخفق فؤادي، وجمد جذعي وأعوادي، وأرسلت أشعة الأشواق من الآماق إلى تلكم الآفاق، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم مقبل إقبالا انتعشت منه الأشباح، وعادت إليها الأرواح، فكأنما شقت النوافج في الأجواء وكسرت الغوالي، محاطا بالرتب الرفيعة العوالي، في هيبة وجلال، وتؤدة وإمهال، وجهه مشرق كالبدر المنير، وثوبه أبيض لا طول فيه أو تشمير، عمامته خفيفة بيضاء لها عذبة مرسلة، فمشى - بأبي هو وأمي - إلى موضع أُعِدَّ له، وجيء بسفر ضخم فوضع بين يديه فتأمله، ثم سمى رجالا فحضروا مسرعين، ومثلوا بين يديه مطرقين، فتحدث إليهم بشيء فاعترفوا، ثم صرفهم فانصرفوا، ثم كذلك من بعدهم، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجل فنودي باسمه واسم أبيه، فإذا هو صاحبنا الوجيه !!

فمثل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يكلمه كأنه يلومه، على ما كان يرومه، وقرعه وأنَّبَه، لِمَا أتى من السَّفَه، والرجل مطرق لا ينبس ببنت شفة، ثم قال له قضي الأمر وحَلّ، ودنا الأجل، ولا فوت من قدر الموت ! فلما أشار إليه، صلوات الله وسلامه عليه، إذا بشيء ينزل من علٍ على هامة الرجل لا أدري ما هو، ففرقت من ذلك، واعترتني رعدة أزعجتني وانتبهت من النوم، وانتهت الرؤيا !

فقمت أتصبب عرقا في الغبش، وقد عضني العطش، وامتزج السرور بالحبور - لرؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم – بدر البدور، فلما شربت الماء رمقت ساعة الجيب، فإذا هي الثانية بلا ريب، فقلت الفجر بعيد، فرجعت فنمت وأنا سعيد، ثم استيقظت لصلاة الفجر مبتهجا منشرحا، ومضيت إلى عملي مستبشرا فرحا، فلما صليت الجمعة عدت إلى الحي، لحضور مأدبة الوجيه على أنه باق حي، فلما اقتربت من قهوته إذا الناس قيام والوجوه شاحبة، والأكف بالأكف لاعبة، فسلمت على العدد، فما رد علي أحد ! فقلت ما الخطب؟ قالوا مات فلان - الوجيه – البارحة، قلت متى؟ قالوا في الثانية إذ سمعت النائحة !! فإذا بها الضربة القاضية، في تلك الرؤيا الماضية، وكلنا إلى الموت صائرون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

قال الحاج يحيى : أما صاحبي الذي كلفني في الرؤيا بسؤال لجنة الحج فقد حج في عامه ذاك.  

قال كاتب هذه السطور: إني سألت بعد هذه الرؤيا بعض أهل تلك المحلة عن هذه القصة فقال هي معروفة عندنا، وسألته عن العجوز ما جرى عليها، فقال إن أولاد الوجيه المذكور عثروا في أوراق والدهم بعد وفاته على أشياء تنفع العجوز، فقدموها طوعا للمحكمة التي قضت للعجوز أن تثبت في شقتها.

ولعل من المفيد أن أذيل هذه الرؤيا، بترجمة صاحبها الحاج يحيى.


ترجمة الحاج يحيى البُرَعي

هو الحاج يحيى بن أحمد البرعي اليمني، ثم المصري، المعمر.

ذكر لي نسبه، فعد سبعة آباء أو ثمانية فإذا جده الأعلى هو العالم الصالح الأديب الشاعر العارف بالله عبد الرحيم بن أحمد بن علي البرعي اليماني – نسبة إلى جبل برع بضم الباء وفتح الراء - صاحب الديوان المشهور المطبوع، والقصائد الربانية، والإيمانية، والنبوية، التي منها :

أغيب وذو اللطائف لا يغيب ** وأرجوه رجاء لا يخيب

ولد الحاج يحيى في اليمن ثم لما كبر رحل عنها إلى الحجاز ومنه استقل القطار من المدينة إلى اسطنبول في عهد الدولة العثمانية، وزار دار الخلافة وشاهد السلطان العثماني، وانتهت به رحلته إلى مصر فأعجبته فاستقر فيها، فأحب أهلها وأحبوه، وكانت له تجارة تكفيه، وله أعمال بر وإحسان.

وأقدم ذكر له مدون وقفت عليه في رحلة العلامة محمد بن هادي السقاف الحضرمي، والتي أنشأها إلى الديار الحجازية وبيت المقدس ومصر، فإن العلامة المذكور لما حل مصر زاره كثير من علماء وعامة، وكان الحاج يحيى ممن زاره مع صاحبه أحمد مهدي، جاء في الرحلة:



 

وتاريخ هذه الرحلة سنة 1343هـ، والله أعلم كم كان سن الحاج يحيى في ذلك التاريخ، والظاهر من نص هذه الرحلة أنه كان كبيرا.

وأما صاحبه أحمد المهدي فقد توفي ورأيت ولده أو حفيده ملازما للحاج يحيى يقرأ القرآن في مصحفه كل ليلة بجواره في الجامع ثم توفي وذهبنا لتعزية ولده.

وللناس في تعمير الحاج يحيى قصص كثيرة، وأدلة وفيرة، حتى صار تعميره متواترا بينهم.

قلت مرة إن كان معمرا فسيعرف قاضي قضاة القُطر اليماني العلامة محمد بن علي الشوكاني، فسألته عنه فعرفه كالمستاء من ذكره، فقلت له ما كان عمله؟ قال كان قاضيا، قلت ما اسمه؟ قال "محمد علي" أو "علي محمد" فقلت له: لقد أدركت عالما جليلا يا حاج يحيى، فغضب وصاح في وجهي قائلا : ما كانوا كما تقول، كانوا يأكلون القات في دار القضاء، وهذه نبتة خبيثة ... وأفاض في ذمها، وغضب جدا، فتركته حتى هدأ وقلت في نفسي : قد خرف الرجل. ثم بعد مدة وقفت على كلام للشوكاني في بعض رسائله يصدق ما قاله الحاج يحيى رحمهم الله تعالى.

وقد سألت أحد علماء الأزهر من أهل منطقته عما يقال في تعميره فقال إن الأحداث التي عاشها العم يحيى وما يحكيه هو، وما يحكيه عنه الناس الذين عاشوا معه وعرفوه تدل على أن 150 سنة ليست مستحيلة في حقه.

وسألت أحد كبار السن من رواد جامع الحسين رضي الله عنه عن حقيقة سن الحاج يحيى فقال لي: أما أنا فعلى يقين من تعميره ولا أشك أنه معمر 150 سنة ولو قيل أزيد من ذلك لجاز أيضا !

فسألته عن سبب يقينه فقال: وكيف لا أتيقن وأنا أذكر جيدا عندما جئت إلى الجامع لصلاة الجمعة وأنا ابن عشر سنين ويدي في يد جدي فلما وصلنا لمحل خلع النعال التفت جدي ثم قال لي أتحب أن ترى رجلا معه 100 سنة؟ فقلت نعم، فأشار جدي إلى الحاج يحيى وهو يتأهب لدخول الجامع وقال ذاك هو الرجل الكبير، وقد مات جدي ومات أبي وهأنا ابن سبعين سنة ! وهاهو الحاج يحيى جالس هناك فكيف أشك ؟!

ولما كان نحو سنة 1412هـ تكرر عليه المرض، وانقطع عن عادته في حضور صلاة الجماعة، فاجتمع بعض محبيه من أهل المسجد وذهبوا لعيادته، فوجدوه ضعيفا هازلا - وكان مرض موته - ووجدوا عنده امرأة تخدمه، وتتأسف عليه وتبكي لمرضه وضعفه وتشكو أيضا من ضعفها عن خدمته لأنها بلغت 60 سنة، فسألوها عن قرابتها منه فقالت:

كان أبي وأمي يتيمين ولا عائل لهما، فآواهما الحاج يحيى ورباهما فلما كبرا زوجهما، فوُلدت أنا لهما في بيت الحاج يحيى، ليس لهما غيري، وكنت أظنه جدي، فلما كبرت أخبرني والدي بأنه ليس والدهما وإن كان أحب إليهما من والدهما والناس أجمعين، لأنه آواهما ورباهما وزوجهما وأنفق عليهما، وأوصياني به خيرا، فتوفي والدي، وتوفيت والدتي، ولم يبق له غيري وأنا بلغت الستين ولا أقوى على الخدمة.

ثم لم يلبث بعد ذلك أن توفي الحاج يحيى وخرج الناس في جنازته الحاشدة وحكت الناس أشياء من جنس ما يحكون من خفة نعشه وسرعة جريه ونحو ذلك.

رحم الله الحاج يحيى البرعي.