السبت، 22 أغسطس 2026

بمناسبة المولد النبوي الشريف (المقامة اليحيوية)

المقامة اليَحْيَوِيَّة




بسم الله الرحمن الرحيم

أحمد الله على جوده وإحسانه، وأشكره على مزيد عطائه وامتنانه، وأصلي على خير خلقه سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وإخوانه ..

وبعد ..

لما حللت مصر سنة 1410هـ اجتمعت في جامع سيدنا الحسين رضي الله عنه بأحد المعمرين من أهل اليمن، المقيمين في مصر منذ زمن، يدعى الحاج يحيى البُرَعي، فإذا به رجل أمي لا قرأ ولا كتب، ولا شعر ولا أدب، لكنه عابد مسجده، وسلم الناس من لسانه ويده، وهو ذو منزلة عند الناس لسنٍّ عال، وصلاح في ظاهر الحال، فقلت لعله أخذته سِنَة، فرأى رؤيا حسنة ! وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما قاله:

(إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو ترى له)

فلما سألته عن رؤيا يقصها علي أقبل، وأشرق وجهه وتهلل، وقال: رأيت المصطفى صلى الله عليه وسلم مرة في هذه الحَيَات، والله أعلم بما هو آت، فالتمست منه إروائي بالقِصة، وإساغة أشواق الغُصة فقال:

كان في محلتنا رجل ذو حرمة ووجاهة ووقار، أعطاه الله الولد والمال والعقار، وله قهوة هي مجتمع رجال الحي، ودويرة النشر والطي، وبيني وبينه المعرفة المعلنة، والصلة الحسنة، وشاع أنه يملك عقارا ذا بال – ولا يدري أنه وبال – إذ فيه شقة تسكنها عجوز، تزعم أن دعوى الوجيه لا تجوز، ويزعم الوجيه أنه مالك العقار كله، ويأمر العجوز بالإخلاء والنقلة، فلما أيس منها رفع الأمر للقضا، فلم يلبث الحكم أن انقضى، صادرا بأن الحق للوجيه واجب، وأن إخلاء الشقة لازب.

ثم إن الوجيه أقبل علينا مَرِحا، ودعانا إلى مأدبة فَرِحا، وعين للمأدبة يوما – وفي الوقت سعة – وأن الموعد بعد صلاة الجمعة، وأنا رأيت الرؤيا التي سأقصها عليك، ليلة الجمعة فخذها إليك.

رأيت أني متجه إلى جامع من هو على الرأس والعين، سيدنا أبي عبد الله الحسين - رضي الله عنه - إذ بلغني أن لجنة حج هذا العام، على عدة والتئام في صحن الإمام، وكان لي صديق تقدم للحج المفروض، ولا يدري أمقبول هو أم مرفوض، فتكفلت له بالسؤال، ومضيت إلى جامع سيد الرجال، فلما بلغته راعني منظر لا عهد لي به، إذ الناس مجتمعة والشُّرَط على بابه، فترددت في الاقتراب هيبة وريبة، فإذا أنا عند الباب بغتة غريبة، وأحد الشرط يقول لي ما سبب هذا الإقدام؟ فقلت أطلب لجنة حج هذا العام، وقد بلغني انعقادها هنا، فتجشمت لها العنا، فقال – وقد زال العجب - ادخل والزم الأدب!

فدخلت فإذا بالشرط في بَزٍّ غالية، ورتب عالية، يتوسطهم رجل فخيم، في مجلس نظيم، وبين يديه سِفر عظيم، فلما رآني وملأ مني عينيه – ولم أنبس بكلمة بين يديه – حول بصره إلى سفره فانبسط ولان، وقال لي جئت تسأل عن فلان بن فلان؟ فقلت نعم أيها السيد القمقام، فقال: هو حاجٌّ هذا العام ! ثم قال لي تقدم بلا لَجَب، والزم الأدب !

فتقدمت إلى جمع من الناس وشُرَط، ولا همس ولا لغط، كأنما أُخِذوا عن نفوسهم، أو الطير على رؤوسهم، وقوفا والأبصار مُشْمَعِلَّة، إلى باب في جدار القبلة، فسألت من بحذائي، عن العظيم الجائي، فهمس: صمتا والزم الآداب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مقبل من هذا الباب !! فخفق فؤادي، وجمد جذعي وأعوادي، وأرسلت أشعة الأشواق من الآماق إلى تلكم الآفاق، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم مقبل إقبالا انتعشت منه الأشباح، وعادت إليها الأرواح، فكأنما شقت النوافج في الأجواء وكسرت الغوالي، محاطا بالرتب الرفيعة العوالي، في هيبة وجلال، وتؤدة وإمهال، وجهه مشرق كالبدر المنير، وثوبه أبيض لا طول فيه أو تشمير، عمامته خفيفة بيضاء لها عذبة مرسلة، فمشى - بأبي هو وأمي - إلى موضع أُعِدَّ له، وجيء بسفر ضخم فوضع بين يديه فتأمله، ثم سمى رجالا فحضروا مسرعين، ومثلوا بين يديه مطرقين، فتحدث إليهم بشيء فاعترفوا، ثم صرفهم فانصرفوا، ثم كذلك من بعدهم، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجل فنودي باسمه واسم أبيه، فإذا هو صاحبنا الوجيه !!

فمثل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يكلمه كأنه يلومه، على ما كان يرومه، وقرعه وأنَّبَه، لِمَا أتى من السَّفَه، والرجل مطرق لا ينبس ببنت شفة، ثم قال له قضي الأمر وحَلّ، ودنا الأجل، ولا فوت من قدر الموت ! فلما أشار إليه، صلوات الله وسلامه عليه، إذا بشيء ينزل من علٍ على هامة الرجل لا أدري ما هو، ففرقت من ذلك، واعترتني رعدة أزعجتني وانتبهت من النوم، وانتهت الرؤيا !

فقمت أتصبب عرقا في الغبش، وقد عضني العطش، وامتزج السرور بالحبور - لرؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم – بدر البدور، فلما شربت الماء رمقت ساعة الجيب، فإذا هي الثانية بلا ريب، فقلت الفجر بعيد، فرجعت فنمت وأنا سعيد، ثم استيقظت لصلاة الفجر مبتهجا منشرحا، ومضيت إلى عملي مستبشرا فرحا، فلما صليت الجمعة عدت إلى الحي، لحضور مأدبة الوجيه على أنه باق حي، فلما اقتربت من قهوته إذا الناس قيام والوجوه شاحبة، والأكف بالأكف لاعبة، فسلمت على العدد، فما رد علي أحد ! فقلت ما الخطب؟ قالوا مات فلان - الوجيه – البارحة، قلت متى؟ قالوا في الثانية إذ سمعت النائحة !! فإذا بها الضربة القاضية، في تلك الرؤيا الماضية، وكلنا إلى الموت صائرون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

قال الحاج يحيى : أما صاحبي الذي كلفني في الرؤيا بسؤال لجنة الحج فقد حج في عامه ذاك.  

قال كاتب هذه السطور: إني سألت بعد هذه الرؤيا بعض أهل تلك المحلة عن هذه القصة فقال هي معروفة عندنا، وسألته عن العجوز ما جرى عليها، فقال إن أولاد الوجيه المذكور عثروا في أوراق والدهم بعد وفاته على أشياء تنفع العجوز، فقدموها طوعا للمحكمة التي قضت للعجوز أن تثبت في شقتها.

ولعل من المفيد أن أذيل هذه الرؤيا، بترجمة صاحبها الحاج يحيى.


ترجمة الحاج يحيى البُرَعي

هو الحاج يحيى بن أحمد البرعي اليمني، ثم المصري، المعمر.

ذكر لي نسبه، فعد سبعة آباء أو ثمانية فإذا جده الأعلى هو العالم الصالح الأديب الشاعر العارف بالله عبد الرحيم بن أحمد بن علي البرعي اليماني – نسبة إلى جبل برع بضم الباء وفتح الراء - صاحب الديوان المشهور المطبوع، والقصائد الربانية، والإيمانية، والنبوية، التي منها :

أغيب وذو اللطائف لا يغيب ** وأرجوه رجاء لا يخيب

ولد الحاج يحيى في اليمن ثم لما كبر رحل عنها إلى الحجاز ومنه استقل القطار من المدينة إلى اسطنبول في عهد الدولة العثمانية، وزار دار الخلافة وشاهد السلطان العثماني، وانتهت به رحلته إلى مصر فأعجبته فاستقر فيها، فأحب أهلها وأحبوه، وكانت له تجارة تكفيه، وله أعمال بر وإحسان.

وأقدم ذكر له مدون وقفت عليه في رحلة العلامة محمد بن هادي السقاف الحضرمي، والتي أنشأها إلى الديار الحجازية وبيت المقدس ومصر، فإن العلامة المذكور لما حل مصر زاره كثير من علماء وعامة، وكان الحاج يحيى ممن زاره مع صاحبه أحمد مهدي، جاء في الرحلة:



 

وتاريخ هذه الرحلة سنة 1343هـ، والله أعلم كم كان سن الحاج يحيى في ذلك التاريخ، والظاهر من نص هذه الرحلة أنه كان كبيرا.

وأما صاحبه أحمد المهدي فقد توفي ورأيت ولده أو حفيده ملازما للحاج يحيى يقرأ القرآن في مصحفه كل ليلة بجواره في الجامع ثم توفي وذهبنا لتعزية ولده.

وللناس في تعمير الحاج يحيى قصص كثيرة، وأدلة وفيرة، حتى صار تعميره متواترا بينهم.

قلت مرة إن كان معمرا فسيعرف قاضي قضاة القُطر اليماني العلامة محمد بن علي الشوكاني، فسألته عنه فعرفه كالمستاء من ذكره، فقلت له ما كان عمله؟ قال كان قاضيا، قلت ما اسمه؟ قال "محمد علي" أو "علي محمد" فقلت له: لقد أدركت عالما جليلا يا حاج يحيى، فغضب وصاح في وجهي قائلا : ما كانوا كما تقول، كانوا يأكلون القات في دار القضاء، وهذه نبتة خبيثة ... وأفاض في ذمها، وغضب جدا، فتركته حتى هدأ وقلت في نفسي : قد خرف الرجل. ثم بعد مدة وقفت على كلام للشوكاني في بعض رسائله يصدق ما قاله الحاج يحيى رحمهم الله تعالى.

وقد سألت أحد علماء الأزهر من أهل منطقته عما يقال في تعميره فقال إن الأحداث التي عاشها العم يحيى وما يحكيه هو، وما يحكيه عنه الناس الذين عاشوا معه وعرفوه تدل على أن 150 سنة ليست مستحيلة في حقه.

وسألت أحد كبار السن من رواد جامع الحسين رضي الله عنه عن حقيقة سن الحاج يحيى فقال لي: أما أنا فعلى يقين من تعميره ولا أشك أنه معمر 150 سنة ولو قيل أزيد من ذلك لجاز أيضا !

فسألته عن سبب يقينه فقال: وكيف لا أتيقن وأنا أذكر جيدا عندما جئت إلى الجامع لصلاة الجمعة وأنا ابن عشر سنين ويدي في يد جدي فلما وصلنا لمحل خلع النعال التفت جدي ثم قال لي أتحب أن ترى رجلا معه 100 سنة؟ فقلت نعم، فأشار جدي إلى الحاج يحيى وهو يتأهب لدخول الجامع وقال ذاك هو الرجل الكبير، وقد مات جدي ومات أبي وهأنا ابن سبعين سنة ! وهاهو الحاج يحيى جالس هناك فكيف أشك ؟!

ولما كان نحو سنة 1412هـ تكرر عليه المرض، وانقطع عن عادته في حضور صلاة الجماعة، فاجتمع بعض محبيه من أهل المسجد وذهبوا لعيادته، فوجدوه ضعيفا هازلا - وكان مرض موته - ووجدوا عنده امرأة تخدمه، وتتأسف عليه وتبكي لمرضه وضعفه وتشكو أيضا من ضعفها عن خدمته لأنها بلغت 60 سنة، فسألوها عن قرابتها منه فقالت:

كان أبي وأمي يتيمين ولا عائل لهما، فآواهما الحاج يحيى ورباهما فلما كبرا زوجهما، فوُلدت أنا لهما في بيت الحاج يحيى، ليس لهما غيري، وكنت أظنه جدي، فلما كبرت أخبرني والدي بأنه ليس والدهما وإن كان أحب إليهما من والدهما والناس أجمعين، لأنه آواهما ورباهما وزوجهما وأنفق عليهما، وأوصياني به خيرا، فتوفي والدي، وتوفيت والدتي، ولم يبق له غيري وأنا بلغت الستين ولا أقوى على الخدمة.

ثم لم يلبث بعد ذلك أن توفي الحاج يحيى وخرج الناس في جنازته الحاشدة وحكت الناس أشياء من جنس ما يحكون من خفة نعشه وسرعة جريه ونحو ذلك.

رحم الله الحاج يحيى البرعي.