بسم الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ..
وبعد ..
لما اطلعني بعض طلبة العلم على هذا المنشور:
وجدت أنه يجب علي شرعا بيان ما يلي:
اعلم رحمك الله تعالى أن أهل السنة والجماعة أربعة مذاهب: المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة، اجتمعت عليها الأمة قرونا عديدة، ولا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة، وقد أجمعوا على وقوع الطلاق في الصور التالية:
الصورة الأولى: أن يطلق الرجل امرأته ثلاث طلقات في لفظ واحد، كأن يقول لها (أنت طالق ثلاثا أو بالثلاث) فأجمعوا أنها طالق ثلاثا.
الصورة الثانية: أن يعلق الرجل طلاق امرأته على أمر فيقع كأن يقول لها (إن خرجت فأنت طالق) فخرجت فقد وقع الطلاق.
الصورة الثالثة: أن يطلقها في غير طهر، أي أثناء الدورة الشهرية (الحيض) أو (النفاس) فيقع الطلاق.
الصورة الرابعة: أن يطلقها في طهر لكن قد مسها فيه أي (جامعها) فيقع الطلاق.
فأجمعوا على وقوع الطلاق في هذه الصور كلها، وإجماعهم هذا مثل إجماعهم - قوةً وحجةً - على أن (قل هو الله أحد) آية من القرآن الكريم، وأن الخمر محرمة .. نعم اختلف الفقهاء هل أساء الزوج بهذه الطريقة في التطليق أم لا ؟ فبعض الفقهاء وإن سَمَّوا هذه الإساءة طلاقا بدعيا لكنهم اتفقوا على وقوع الطلاق فيها.
وبقي هذا الاتفاق إلى القرن الثامن الهجري فرأى واحد من علماء الحنابلة أن يجتهد في بعض هذه المسائل فأداه رأيه إلى أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع واحدة فقط لا ثلاثا، وأن الطلاق المعلق مجرد يمين علاجها الكفارة، فخالف بذلك المعتمد في مذهبه المعمول به من عهد الإمام أحمد بن حنبل، لكن علماء الحنابلة ردوا رأيه ولم يعتدوا بقوله هذا في المذهب، وعدوه شذوذا وخروجا عن الإجماع، ثم قيل إن هذا العالم رجع عن فتياه هذه.
ومن الخطأ البين نسبة هذا القول إلى الحنابلة متقدميهم أو متأخريهم، ومن أهل السنة من يظن أن هذا القول مقبول أو معتبر عند متأخري الحنابلة وليس كذلك، قال إمام الدعوة النجدية الثاني الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن إمام الدعوة النجدية الأول الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
(كان في مصر رجل يفتي الناس أن الطلاق الثلاث واحدة، ويزعم أنه مذهب الحنابلة فكان من طلق امرأته ثلاثاً ذهب إليه ليبيحها، فنهيته عن ذلك وبينت له أقوال الإمام أحمد في ذلك) اهـ علماء نجد خلال ثمانية قرون 1/184
فاستمر العمل على الإجماع من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى سنة 1920م = 1338هـ لكن لهذا التاريخ مقدمات حدثت في مصر - قلب العالم الإسلامي المؤثر - لا بد من الإشارة إليها سريعا، ليعي القارئ ما أرمي إليه:
- في سنة 1875م (1292هـ) تأسست المحاكم المختلطة (عهد الخديوي إسماعيل) بنفوذ وضغط أجنبي جراء الامتيازات والديون، ونتج عن ذلك أن هذه المحاكم صارت هي المختصة في القضايا التي يكون أحد أطرافها أجنبيا، وقوانينها مستمدة من القانون الفرنسي، حدث هذا مع رفض واسع من الشعب ومن علماء الأزهر وقضاة الشرع واعتبروا ذلك تعديا على الشريعة، بينما رحبت الدول الأوربية بهذه الخطوة.
- وفي سنة 1882م - 1883م (1299هـ - 1301هـ) ومع استمرار القرارات التي تتحدى الشعب المسلم في عهد (الخديوي توفيق) حدثت ثورة نجم عنها احتلال عسكري بريطاني لمصر، وفي هذه الظروف الصعبة ظهرت المحاكم الأهلية التي تطبق القانون الفرنسي على المسلمين، مما أدى لـ عزل الشريعة رسمياً عن التشريع المدني والجنائي والتجاري، وقصرها على الأحوال الشخصية والوقف، مما أنتج ثورة عارمة وغضبا شعبيا، وصدرت فتاوى في تكفير توفيق، بينما قبلت القوى السياسية الموالية للاحتلال تلك الإجراءات، وباركتها بكل تأكيد الدول الاستعمارية.
- أدركت الثعالب الإنجليزية في حقبة الاحتلال أن تغيير الحالة الدينية في العالم الإسلامي يجب أن يبدأ من قلبه وحاضرته مصر، وأن العبث بالبقية الباقية من أحكام الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يتم دون موافقة المرجعية الكبرى للمسلمين في العالم الإسلامي: (الأزهر الشريف) وقد استطاعوا في مدة احتلالهم أن يميزوا فئة من الأزهريين يستبطنون ثورة فكرية قد تكون هذه الفئة ضالتهم المنشودة، فقد تعيد هذه الفئة - المنبوذة من عامة المسلمين والأزهريين - النظر في كثير من أحكام الشريعة الإسلامية - حتى الضروري منها - إعادة تجعل مصر نسخة من أوروبا، ولهذا قال اللورد كرومر
- مندوب بريطانيا في مصر زمن الاحتلال - في كتابه (Modern Egypt) متحدثا عن هذه الفئة - وقد حذفت اسم شيخهم - (إن [ ...] وتلاميذه ليسوا مسلمين بحق، ولكنهم ليسوا مسيحيين أيضاً، بل هم أصلح أداة يمكن استخدامها لتقويض الإسلام من الداخل دون أن يثيروا شكوك عامة المسلمين)
- ثم لفت نظرهم كثيرا فتوى أحد قضاة مصر في السودان يبيح فيها للمسلمين هناك الانضمام إلى الجيش الإنجليزي لقتال الأتراك المسلمين ! فصادف هواهم ورغبتهم، فما زالوا يعتنون به حتى أتوا به إلى مصنع القرار، وفي سنة 1920م = 1338هـ صدر قانون الأحوال الشخصية مشتملا على الأقوال الشاذة الخارجة عن المذاهب المعتبرة لأول مرة في التاريخ الإسلامي، نتيجة وصول هذه الفئة إلى موقع القرار، لأن صاحب القرار قال لهم: (ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنه يوافق الزمان والمكان، وأنا لا يعوزني بعد ذلك أن آتيكم بنص من المذاهب الإسلامية يطابق ما وضعتم)
لا يمكنني القول بأن هذه الفئة كانت تنوي الإساءة إلى الإسلام، وإن فَعَلَت ذلك تحسب أنها أحسنت صنعا، ففي كثير منهم دين وصلاح وحب للإسلام وغيرة، ولكن هل يمكن نصرة الإسلام بالانحلال من الإسلام نفسه لإرضاء الأهواء المختلفة؟! فهم يسيرون على منهج باطل مؤسس على خرق الإجماعات بالفتاوى الشاذة من هنا وهناك، وتسمية كل قول شاذ منها (مذهب) ويحسبون أنهم هكذا تخلصوا من الحرج، وأنه لا تثريب عليهم لأنهم مجتهدون ! وأنهم يريدون (الإصلاح) ورموا جمهور الأمة المخالفين لهم بـ(الجمود) و(الرجعية)، وركبهم من العجب والغرور ما ركبهم.
إن ما أحدثته هذه الفئة قد انتشر في العالم العربي على يد أنصار هذه الفئة في كل بلد، وقد انتشرت بدعتهم ببطء شديد - وكانت دول الخليج العربي من أواخر الدول التي ابتليت بذلك - لأنه في كل بلد أريد العبث بالشريعة الإسلامية كان يتصدى لذلك الحكام الصالحون، والعلماء الناصحون، ومن ورائهم الناس، يحتجون ويستنكرون، وما سهل عمل هؤلاء في كل بلد مسلم إلا المحتلون الغزاة، لولاهم ما قدر الإفساديون على شيء.
لقد جاهد الأزهريون في تنوير الشعب وتبصير المسلمين بخطر هؤلاء سنين طويلة، والحمد لله أن زالت سطوتهم برحيل الإنجليز، لكن لايزال التصدي لهم عملا صعبا، لأن هذه الفئة وإن كانت قليلة بادئ الأمر فقد قويت شوكتها بخطة المحتلين الغزاة، فلما ذهبوا بقيت أهواء السلاطين، وشهوات الفاسقين النافذين، ثم كثرت وصار لها شأن، وكانوا سببا في ظهور فئات جديدة أشد خطرا منهم ..
وقد عاقب الله سلاطين الجور جميعا الذين أيدوا هذه البدعة بجزاء من جنس عملهم، لأنهم لما عودوا الناس الخروج عن المذاهب المعتبرة بما ابتدعوه من القوانين البدعية والوضعية، وزينوا للناس الاقتداء بالمتحررين من ربقة المذاهب، وعودوهم البحث عما يشتهون من الأهواء في شواذ الآراء، ونعتوا من عارضهم من الفقهاء بالرجعيين والجامدين، لما أيدوا ذلك كله وصاروا سببا في انحلال ارتباط أكثر الناس بمذاهبهم، سقطت هيبتهم عند الناس، لأنه لم يكن للسلطان تفخيم ولا تعظيم إلا في المذاهب المعتبرة، فلما هجر الناس مذاهبهم فلا تكاد تسمع من ينتسب إلى مذهب أبيه أو جده، فإذا غضبوا على ولاة أمرهم انعقدت عزائمهم على الخروج عليهم، وبحثوا فيما شذ من الآراء التي تبيح لهم ذلك فاعتنقوها، وساندهم رؤوس تلك الفئة بالفتاوى والتأييد، إذ لا مانع يردعهم بعد أن نبذوا مذاهب الإسلام وراحوا يبحثون عما يشتهون من الآراء في سوق الفتاوى الشاذة، تلك السوق التي كانت سوداء فصيرها الحكام بيضاء، فلا يستقر هؤلاء السلاطين في الحكم بعد اليوم، فكأنهم سقوا من كأسهم، وجاء جزاؤهم من جنس عملهم، ولو أنهم صانوا الإجماع لما ظهر من يستحل الخروج عليهم.
وهذا المنشور أعلاه يصم الناس بالجهل ! في حين أن الناس بحمد الله لا زالوا يدركون جيدا أن الطلاق إذا خرج من فم الرجل المكلف فقد وقع، وأنه لا يؤثر في وقوعه (حيض) و لا (جماع) ولا (إشهاد) ولا غير ذلك من البدع الوضعية، وأن الزعم بأن هذا الطلاق باطل لهذه الأسباب مستنده ما دبره الغزاة لنا لا إلى الشريعة الإسلامية، وعلى المسلمين اليقظة وإرجاع جميع الأحكام الشرعية التي عبث بها المحتلون وأذنابهم، هذا فرض وهم مكلفون به، ومسؤولون عنه يوم القيامة.
لست أنوي من خلال هذا المقال التحدث بالتفصيل عن تلك الفئة الضالة وما أحدثته، ولا عن دور السياسة القذرة في العبث بالدين، ولا عن تفاصيل مسألة الطلاق، وإنما أردت لفت النظر إلى فساد المنشور أعلاه لئلا يظن المسلم أنه مستند إلى الشريعة، بل هو مستند إلى تلك القوانين الوضعية التي فرضت علينا، ولكن من أراد الاستزادة في ذلك كله فإني أرشده إلى هذه الكتب الثلاثة:
الكتاب الأول : (السياسة والأزهر) وهذا الكتاب يشرح دور السياسة الخارجية والمحلية في محاولات التأثير على الحالة السياسية والدينية في مصر والعالم الإسلامي من خلال الأزهر، وبالمناسبة فإن مؤلف هذا الكتاب الشيخ محمد الأحمدي الظواهري رحمه الله كان واحدا من تلك الفئة، فلا ندري أكان داهية عقد النية على التخطيط لمحاربتها منذ البداية، أم أنه كان منهم فعلا رأيا وفكرا ثم هداه الله تعالى فكان سببا في كشف هذه الفئة وإنقاذ الأزهر منهم.
الكتاب الثاني : (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) فهو يكشف بالتفاصيل تاريخ هذه الفئة وأسرار تكوينها، وينقل لك نصوصا خطيرة من كلامهم وكلام المحتل الذي صنعهم.
الكتاب الثالث : (الإشفاق على أحكام الطلاق) وهو كتاب ألفه وكيل المشيخة الإسلامية في الدولة العثمانية الإمام محمد زاهد الكوثري، الذي استقر في مصر فارا بدينه من تركيا الكمالية العلمانية، وقد صنف كتابه هذا في مصر ليوضح أن هذه المسائل التي ذكرت في المنشور أعلاه مسائل إجماعية لا قضايا خلافية يسوغ الاجتهاد فيها.
نسأل الله تعالى أن يبرم لهذه الأمة أمرا رشدا يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.



جزيت خيرا لقد اسمعت لو ناديت حيا
ردحذف